أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي














المزيد.....

عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 16:01
المحور: الادب والفن
    


في مثل هذا الوقت تمامًا من العام الماضي، كان الكاتب والصحفي العراقي هيثم الزبيدي يتفقد ما بقي له من أيام وساعات، كمن يلمس حدود الزمن بأصابعه الأخيرة. ولكم أن تتخيلوا ما أوجع أن ينتظر الإنسان موته وهو بكامل وعيه، يعرف أن العدّ التنازلي بدأ، وأن الحياة -تلك التي أحبها بعناد- تتراجع خطوة خطوة.
كان يسأل القريبين منه، على ما يبعدهم من مسافات وبلدان: تعالوا كي أراكم… ربما سيكون اللقاء الأخير بيننا.
لم يكن يطلب حضورًا بقدر ما كان يطلب شهادة وداع، كأن وجودنا حوله سيؤجل النهاية قليلًا، أو سيجعلها أقل قسوة.
هكذا اقترب القدر الأزلي منه بعد خمس سنوات من مقاومة أذهلت الأطباء أنفسهم. خمس سنوات كان فيها هيثم يفاوض الموت كما يفاوض فكرة معقدة بهدوء، بصلابة، وبشيء من السخرية التي كانت تخفي خوفه العميق.
وفي السابع عشر من مايو 2025، لوّح لنا بيديه مودعًا من دون أن يرفع يده… فقد كانت أثقل من أن ترتفع.
واليوم، بعد مرور عام كامل، أستعيد تلك اللحظة كأنها تحدث الآن. قلت يومها: سأحتاج لوقت طويل كي أتعلم العيش من دونه… وربما لن أنجح. وبعد عام كامل، أكتشف أنني لم أتعلم شيئًا.
ما زال الغياب يوقظني في ليلة رأس السنة، حين ضرب وتر أغنية كان يحبها ويسألني عنها دائمًا. فكتبت عن أصدقائي الموتى في نهاية العام.
كأن هيثم يختبر قدرتي على التحمّل، أو يذكّرني بأن الصداقة لا تنتهي بالموت، بل تبدأ معه فصلًا آخر من الحنين.
وما زالت الأسئلة تتراكم أمامي: كيف يمكن للمرء أن يتعلم العيش من دون صديقٍ كان جزءًا من صوته الداخلي؟
كتبت يوم رحيله: أيها الموت، لم يبق في القلب ما يكفي لتحمل مرارة أوجاعك كي تسرق منا من نحب.
واليوم، بعد عام، أجد أن تلك الكلمات لم تكن وداعًا، بل كانت بداية حزن طويل لم ينتهِ، ولن ينتهي.
هيثم… ذلك الذي لا يتكرر، عام كامل، وما زلت أسمع صوته يسألني: “متى نتقاعد يا كرم؟”
سؤال بسيط، لكنه اليوم يوجعني أكثر من أي شيء آخر. لأننا لم نتقاعد. ولأن الموت قرر أن يسبقنا إلى هيثم.
عام كامل، وما زلت أفتقده بطريقة تفوق الدموع في مآقيها.
عام كامل، وما زلت أتعلم — بلا نجاح — كيف أعيش من دونه.
هيثم لم يكن صديقًا فقط. كان جزءًا من الرحلة. جزءًا من الوعي وجزء من الخلاف. جزءًا من اللغة. وجزءًا من القلب الذي لم يعد كما كان.
هيثم الذي واجه الموت كما واجه الحياة بصمتٍ نبيل. في أيامه الأخيرة، كان يخفي أوجاعه كما يخفي الكاتب مسودته الأولى، لا يريد أن يراها أحد قبل أن تكتمل. طالما حذرني من أن أخبر أحدا بمرضه!
كان يعرف أن العمر يخذله مبكرًا، لكنه لم يشكُ. لم يرفع صوته. لم يطلب شيئًا. ثم ترك كل شيء.
كان فقط يريد أن يرى الوجوه التي أحبها، وأن يترك أثرًا صغيرًا من صمته في قلوبنا.
كان يقول لي دائمًا “لا أحد يسمع حين نستمر بالصراخ.”
ولهذا اختار الصمت في أيامه الأخيرة، كأنه يعلّمنا درسًا أخيرًا: أن الوداع الحقيقي لا يحتاج إلى كلمات، بل إلى حضور.
سلامٌ عليك يا أبا عمر
سلامٌ عليك يا هيثم…
سلامٌ على صبرك، على حكمتك، على عنادك النبيل، على وجعك الصامت، على ابتسامتك التي كانت تخفي أكثر مما تقول.
سلامٌ على عامٍ كامل من الغياب… لم ينجح في إقناعنا أنك رحلت.
سلامٌ على تلك المسافة التي تركتها في القلب، مسافة لا يملؤها أحد، ولا يخفّفها الزمن، ولا يقدر عليها النسيان.
عام كامل، وما زلت أكتب إليك كما لو أنك ستقرأ. عام كامل، وما زلت أفتقدك كما لو أنك غبت أمس.عام كامل، وما زال السؤال نفسه يطاردني: كيف نعيش من دون الذين كانوا جزءًا من حياتنا، من لغتنا، من وعينا، من أنفسنا؟
سلامٌ عليك يا أبا عمر… فكم تغيرت بعدك، سلامٌ على الغياب الذي لم يرحل.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟


المزيد.....




- رحيل «مرسول الحب».. المغرب والعالم العربي يودعان الهرم الموس ...
- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه ...
- كاثرين دينوف.. أيقونة مهرجان كان السينمائي الخالدة التي لا ي ...
- تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ ...
- مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية
- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي