أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة














المزيد.....

لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


لم يعد السؤال الحقيقي الذي يواجه الإبداع المعاصر هو: “هل تستطيع الآلة أن تكتب؟”، بل هو السؤال الأكثر إرباكاً وعمقاً، “إلى أي حد يمكن للوعي البشري أن يتواطأ مع النص المولد ويمنحه الشرعية الإبداعية الكاملة؟”.
فالآلة لا تخطئ، أو بالأحرى لا تسمح لنفسها بالخطأ؛ بينما كان الخطأ عبر التاريخ جزءًا من عبقرية الإنسان، ومن جمال النص، ومن شجاعة التجربة. ومع اختفاء الخطأ، يختفي جزء من روح الإبداع نفسه.
والجدل المثار اليوم حول قصة “الأفعى في البستان” للكاتب الترينيدادي جامير نذير، والتي حصدت جائزة الكومنولث للقصة القصيرة قبل أيام، يقف كعتبة حاسمة لتأمل هذا التحول؛ حيث نجد أنفسنا أمام نص حظي بقبول ذوقي ونقدي رفيع، في وقت تذهب فيه شكوك كبريات المجلات الأدبية مثل Granta إلى أنه نتاج ذكاء اصطناعي. غير أن الكاتب الفائز بالجائزة رفض هذه الاتهامات وقال إن ثيمة القصة مستوحاة من طفولته ولا اثر للذكاء الإصطناعي على لغته!
وهذا الجدل لا يقتصر على جائزة الكومنولث للقصة القصيرة؛ فقد شهدت دور نشر كبرى في الولايات المتحدة وأوروبا حالات مشابهة. بل إن بعض دور النشر اضطرت إلى تطوير بروتوكولات جديدة للتحقق من أصالة النصوص. أما في واقعنا العربي فالصورة ملتبسة أكثر مما ينبغي.
في مقاربته الساخرة لهذا الجدل في صحيفة فايننشيال تايمز، يمارس الكاتب ستيفن بوش نوعاً من التشريح الذوقي الذي لا يخلو من إعجاب مبطن بغرابة النص الفائز، بغض النظر عن هوية منتجه الحقيقي.
يتوقف بوش عند جمل بعينها أثارت دهشته الطفولية، كالوصف الذي يمنحه النص لامرأة بأنها “ضخمة كنساء لا يعتذرن أبدًا للأثاث”، أو أخرى “تتحرك بهدوء وكأن الصوت يُفرض عليه ضريبة”. ورغم أن بوش يرى في هذه التراكيب ميلاً لمحاكاة بائسة لأسلوب الروايات البوليسية القديمة، إلا أنه يعترف بأنها أحدثت أثراً؛ لقد أضحكته وهزت ركود القراءة لديه، ليخلص إلى أن السؤال “هل كتب الذكاء الاصطناعي هذا؟” غدا أقل أهمية من السؤال “هل يرى عقلنا البشري، وقارئنا الداخلي، أن في هذا النص شيئاً من الجودة؟”.
إن السر الكامن وراء قبول هذه النصوص من قِبل لجان التحكيم والجمهور لا يعود إلى قدرة الآلة على بلوغ مراتب الإعجاز الأدبي، بل إلى نجاحها في تفكيك “الشيفرة السيكولوجية” للمتلقي البشري. فالخوارزميات لا تكتب بوحي من تجربة وجودية، وإنما تبني نصوصها بناءً على خرائط إحصائية لما يحرك المشاعر البشرية تاريخياً.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الناقد نفسه لم يعد بريئًا من أثر الخوارزمية. فسنوات من التعرّض للمحتوى المولّد، في الأخبار، وفي الموسيقى، وفي النصوص القصيرة، أعادت تشكيل حساسيته الجمالية من حيث لا يدري.
لقد أصبح الناقد يقيّم النصوص بحدسٍ صيغ مسبقًا، حدسٍ تمّ تدريبه على أنماط متكررة أنتجتها الآلة، لا على التجربة الإنسانية التي كانت تصنع الذائقة النقدية عبر التاريخ.
عندما تجمع الآلة في تركيب واحد بين الغرابة اللفظية والشجن المألوف، فإنها تخلق وهماً بـ “الأصالة” ينطلي حتى على النقاد المتمرسين؛ إذ يظن الناقد أنه يقرأ تمرداً أسلوبياً لكاتب حداثي، بينما هو في الحقيقة يستهلك خلاصة حسابية لما يُعجب البشر، تمت تصفيتها عبر بلايين النصوص السابقة وتعبئتها في قالب يُثير الاستجابة العاطفية الفورية.
هذه “الشرعية بالتعاطف” لم تعد حكراً على السرد القصصي والروائي، بل بدأت تسري كالعدوى في عروق المقال الصحفي واللحن والأغنية، في غرف الأخبار في كبار وكالات الأنباء والشبكات التلفزيونية والمنصات الموسيقية العالمية. فلم يعد التوليد الآلي مجرد أداة لتسريع الإنتاج، بل أضحى شريكاً في صناعة “المزاج العام”. فالخوارزمية الآن تصيغ مقالات رأي تتدفق بسلاسة لغوية مذهلة وتتبنى مواقف تبدو في مظهرها نقدية وجريئة، كما تُركب ألحاناً تعزف على تتابعات نغمية مدروسة بدقة لإثارة الحنين أو الفرح. والمفارقة هنا أن المستهلك البشري يستمع إلى اللحن المولد، أو يقرأ المقال المصنوع، فيتأثر به، ويمنحه تفاعلاً هائلاً يعيد تشكيل مسارات السوق، دون أن يدرك أن “الأثر الوجداني” الذي يختبره ليس سوى صدى لمعادلة رياضية جافة.
فهل هذا يعني أن المستقبل لم يعد يعدنا باحفاد مخلصين لصناعة الخيال كما جرى الحال مع همنغواي وفرجيينا وولف ووالت وايتمان وبدر شاكر السياب وفؤاد التكرلي ومحمد شكري والصادق النيهوم والمسعري والكوني…؟
وهنا نصل إلى ذروة المأزق الفلسفي. إننا نواجه شكلاً من أشكال “الشرعية الارتدادية”، حيث لا تكتفي الآلة بمحاكاة الفن، بل تبدأ في “إعادة هندسة الذائقة البشرية” ذاتها. فعندما تعتاد الآذان والأعين على الأنماط التوليدية، تصبح هذه الأنماط بمرور الوقت هي “المعيار الجمالي الأعلى”، ويُصبح النص الإنساني الحقيقي، المليء بالتعثر والشك والمخاطرة، نصاً “خارجاً عن المألوف” أو يفتقر إلى الرشاقة المصنوعة. إنها لحظة خطيرة يتنازل فيها الوعي الإنساني عن سيادته، ليتحول من خانة المبدع والمقيّم، إلى خانة المتلقي المستسلم الذي يمنح الآلة صك الجودة، ويُغدق عليها الجوائز الرفيعة، لتقوم هي في الدورة القادمة بتحديد ما يجب أن يحبه وما يجب أن يرفضه.
وعليه، عندما تتوحد ذائقتنا مع لغة الآلة، وتصبح كتاباتها وأغانيها هي المقياس لما هو “مؤثر” و”عميق”، نكون قد دخلنا حقبة تمنح فيها الضحية صك الغفران لجلادها. فالأمر لا يتعلق ببرامج ذكية تكتب نيابة عنا لتوفر وقتنا، بل بضمور تدريجي في قدرة الوعي الإنساني على ابتكار فرادته. وإذا استمرت لجان التحكيم في تتويج “الأفاعي في البساتين الرقمية”، فإننا لن نكون قد خسرنا الكاتب البشري فحسب، بل سنكون قد خسرنا، وهو الأهم، القارئ البشري القادر على التمييز بين نبض القلب الحقيقي، وصداه المزيف على شاشة الكمبيوتر.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...


المزيد.....




- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة