أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!














المزيد.....

ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:19
المحور: الادب والفن
    


أثار الجدل حول إصلاح مناهج التاريخ في بريطانيا، سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: من يملك حق رواية الماضي. وكتب ستيفن بوش في صحيفة فايننشيال تايمز أن المقترحات الجديدة تكشف “جاذبية الشعبوية اليمينية التي تبحث عن تاريخ مطمئن، لا تاريخ حقيقي”.
هذه الجملة وحدها تصلح مفتاحًا لفهم ما جرى في العراق بعد عام 2003، لكن بصورة أكثر قسوة، لأن العراق لم يدخل في نقاش حول المناهج، بل دخل في عملية إعادة اختراع للذاكرة نفسها كبديل طائفي للذاكرة الحقيقية استهلها في ديباجة الدستور المسخ الذي كُتب باشراف الحاكم المدني الأميركي بول بريمر أبان حتلال البلاد وبلمسات مستشاره نوح فيلدمان.
في بريطانيا، مهما اشتدّ الجدل، تبقى المؤسسات الأكاديمية والصحافة المستقلة قادرة على تفكيك الخطاب السياسي. أما في العراق، فقد جرى التعامل مع الذاكرة بوصفها مادة خام يمكن صهرها وإعادة تشكيلها وفق احتياجات السلطة الجديدة. لم يكن الهدف مراجعة الماضي أو فهمه، بل إنتاج ماضٍ بديل، ماضٍ ينسجم مع سرديات طائفية صاعدة، ويمنحها شرعية رمزية.
يشير ستيفن بوش إلى أن الجدل حول منهج التاريخ ليس نقاشًا أكاديميًا بقدر ما هو معركة سياسية حول الهوية البريطانية. فالمقترحات الجديدة التي تدفع بها قوى يمينية تسعى إلى تقديم تاريخ “مبسّط” و“مطمئن”، يركّز على أمجاد الإمبراطورية البريطانية ويتجنب الجوانب المظلمة أو المثيرة للجدل. هذا التوجه يعكس، بحسب المقال، جاذبية الشعبوية اليمينية التي تقدّم رواية سهلة للهُوية في زمن يشعر فيه كثيرون بالقلق من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية.
هذا بالضبط ما حدث في العراق، لكن بطريقة أكثر فجاجة. فبدلًا من تقديم سردية وطنية موحّدة، جرى تفكيك الذاكرة إلى روايات متصارعة، كل واحدة منها تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. ولم يكن هذا التفكيك نتيجة بحث أكاديمي أو مراجعة نقدية، بل نتيجة استدعاء انتقائي لنصوص دينية وتاريخية، بعضها ملفّق وبعضها منسيّ، وإعادة تقديمها بوصفها “مراجع مقدسة”. وظيفتها لم تكن المعرفة، بل إثارة الضغينة، وتحويل الماضي إلى ساحة صراع يومي.
في العراق، تحوّل التاريخ إلى فيلم سينمائي يُعرض كل يوم في الشوارع والميادين والشاشات، وكأن أحداثه وقعت بالأمس. مشاهد من القرن الأول الهجري تُقدَّم كما لو أنها جزء من نشرات الأخبار، وتُستخدم لإعادة تقسيم المجتمع على نفسه. لا أحد يسأل: لماذا نُعيد تمثيل هذه المشاهد الآن؟ ولا أحد يناقش ما الذي نفعله بأنفسنا حين نعيش في ذاكرة ليست ذاكرتنا ونسير ونحن نيام صوب الخرافة التاريخية.
“التاريخ الحقيقي يقوم على تحليل الأدلة وفهم التعقيد”. لكن العراق المزيف، منذ 2003، اختار الطريق المعاكس، تاريخ بلا أدلة، بلا تعقيد، بلا نقد. تاريخ يُعاد إنتاجه في الخطب، وفي الإعلام، وفي الطقوس، وفي المناهج غير المعلنة التي يتلقاها المجتمع يوميًا. تاريخ لا يهدف إلى الفهم، بل إلى تثبيت الانقسام.
الأمثلة كثيرة، تبدأ من نوري المالكي الذي قسم العراقيين إلى جيش الحسين وجيش يزيد وتستمر إلى مجالس تُستدعى فيها وقائع عمرها أكثر من ألف عام لتبرير مواقف سياسية معاصرة. خطب تُحوّل شخصيات تاريخية إلى رموز للولاء والعداء. مناهج غير رسمية تُلقّن الأطفال أن الماضي لم ينتهِ، وأنهم ورثة صراع لا خيار لهم فيه. إعلام يقدّم التاريخ كمعركة مفتوحة، لا كدرس في الفهم.
في جوهر الفكرة، لا يتعلق الأمر فقط بتزييف وقائع أو تضخيم أخرى كما يحدث مع التاريخ السياسي القريب جدا في العراق، بل بتغيير وظيفة الذاكرة نفسها. الذاكرة في المجتمعات السوية تعمل كجسر بين ما كان وما يمكن أن يكون، أما في العراق المزيف فقد تحولت إلى جدار عازل يمنع أي عبور نحو المستقبل. حين تُصاغ الذاكرة لتخدم هوية طائفية، فإنها تكفّ عن أن تكون ذاكرة وطن، وتصبح أرشيفًا للثأر المؤجل. هنا يصبح الماضي ليس ما نتعلم منه، بل ما نُستدعى للقتال من أجله كل يوم.
وإذا كانت الشعبوية في بريطانيا، تبحث عن “تاريخ مطمئن” يخفف قلق الحاضر، فإن الشعبوية الطائفية في العراق تبحث عن تاريخ ملتهب يبقي الحاضر في حالة طوارئ دائمة. فالتاريخ المطمئن ينتج ناخبًا خائفًا من التغيير، أما التاريخ الملتهب فينتج مجتمعًا خائفًا من بعضه البعض. في الحالتين، تُختطف السياسة من بوابة المناهج والذاكرة، لكن الفارق أن الديمقراطية هناك تضع حدودًا للعبث، بينما غيابها هنا يترك الباب مفتوحًا أمام تحويل البلد كله إلى مختبر لنسخ متتالية من الماضي.
في بريطانيا، الجدل حول المناهج يمر عبر لجان، وجامعات، وصحافة قادرة على كشف التلاعب. أما في العراق، فالصورة أكثر خيبة، لا مؤسسات تحمي الذاكرة من التزييف، ولا بيئة سياسية تسمح بنقاش حر حول الماضي. لذلك لم يكن الصراع على التاريخ صراعًا على المعرفة، بل صراعًا على ملكية الذاكرة.
النتيجة أن العراق يعيش اليوم بذاكرة مصنوعة، ذاكرة لا تشبه تاريخه الحقيقي حتى القريب منه، ولا تساعده على بناء مستقبل مختلف. ذاكرة تُعيد إنتاج الجرح بدل أن تعالجه، وتحوّل الماضي إلى سلاح بدل أن يكون درسًا. المفارقة أن الجدل البريطاني، بكل ما فيه من توظيف سياسي، يبدو ترفًا ديمقراطيًا مقارنة بما حدث في العراق. هناك، يُناقش التاريخ داخل المؤسسات. هنا، يُعاد تشكيل التاريخ خارج أي مؤسسة.
الدرس الحقيقي، ليس في محتوى المناهج، بل في الطريقة التي تُستخدم بها المناهج كأداة سياسية في العراق اليوم. فالصراع حول التاريخ يكشف هشاشة الهوية الوطنية المعاصرة، ويكشف أيضًا قدرة الطائفية على تحويل حتى المناهج الدراسية إلى ساحة معركة رمزية.
وما لم يستعد العراق ذاكرته الحقيقية — تلك التي تجمع ولا تفرّق، وتفهم ولا تحاكم — سيظل يعيش في فيلم لا ينتهي، فيلم لا يروي الماضي، بل يبتلعه.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟


المزيد.....




- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...
- رحيل يايوي كوساما عن عمر 97 عامًا.. فنانة حوّلت الهلوسات إلى ...
- بعد 20 عاما في المنفى.. الموسيقار الإيراني محسن نامجو يعود إ ...
- التعليم العالي: طالبة من جامعة عين شمس تحصد المركز الأول عال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!