أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - المونديال في زمن الصفقات الترامبية














المزيد.....

المونديال في زمن الصفقات الترامبية


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 02:54
المحور: الادب والفن
    


مهما بلغت درجة إنصاتنا بتمعن لتصريحات رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جياني إنفانتينو، ومهما تكررت تلك الترانيم المملة المروّجة لـ “نزاهة اللعبة ونقائها العذري من دنس السياسة”، فإن الواقع يصفعنا بالحقيقة العارية: كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل هي نوع جديد من السياسة الشرسة، وأداة من أدوات القوة الناعمة والخشنة على حد سواء. ومع اقتراب موعد المونديال، تتخذ هذه اللعبة أبعاداً أكثر راديكالية؛ إذ تُقام البطولة هذه المرة في عرين دونالد ترامب، الرجل الذي لا يرى العالم إلا من خلال عدسة “الصفقات”، والذي يتعامل مع كل موقف سياسي أو قيمي كبند في عقد تجاري قابل للبيع والشراء.
عندما يتعلق الأمر بمفهوم الوطنية العميق المعبر عن الذات، فإن الصحافة لا تتردد في رفع صوتها واضحاً ومتفقاً على نبرته، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال مغالاة أو بروباغندا إعلامية. ولهذا السبب، لم تتردد الصحافة البريطانية في التعامل مع المنتخب الإنكليزي بوصفه تعبيراً حراً عن إنكلترا ككل متوحد. إنهم، كمجموعة رياضية، يبدون في عين الجمهور أكثر تمثيلاً للشعب من السياسيين البريطانيين، أولئك الذين شبهتهم صحيفة The Guardian ذات يوم بمجموعة من “الفئران المتصارعة داخل كيس”!
صحيح أن كرة القدم لا تحمل حلولاً جاهزة للأزمات السياسية ولا المعضلات الاجتماعية، لكنها تبقى الممثل الوطني الأكثر نصوعاً؛ ولهذا يستمر العالم في رؤية المستطيل الأخضر كمرآة مصقولة للبلاد. السياسيون والمعلقون يمحصون اللاعبين وعروضهم، لا بحثاً عن مهارة فنية مجردة، بل محاولين فك شفرة آلية المجتمع الداخلية.
لقد ارتكبت وسائل الإعلام تاريخياً أخطاء هائلة في اصطناع “النموذج المثالي” وجعله مثالاً للناس، من دون أن يكون متفقاً عليه في الواقع، كما هو الحال اليوم في بلجيكا؛ حيث الشعب مقسم عمودياً وفق إثنيات سياسية وقومية ولغوية، بينما يقف المنتخب الوطني أمام هذا التشظي ككتلة واحدة صلبة تعاند الانقسام. وفي فرنسا أيضاً، حيث تتربص الإثنية والعنصرية بالكيان المجتمعي، يُنظر إلى الفريق المكون من خلفيات مشرقية وأفريقية كنوع من “الحل الاستثنائي”، ولا يملك الإعلام هناك، ومعه الرئيس إيمانويل ماكرون، غير هذا الخيار وعن قناعة تامة. وفي ذات السياق، ينظر الإعلام البريطاني إلى المنتخب الإنكليزي باعتباره “فتحاً تقدمياً” يواجه به الشعبويين الذين أرادوا إخراج بريطانيا من محيطها الأوروبي؛ إذ يغدو التنوع الإثني المتوحد في الفريق مخلصاً من اليأس الذي يصر السياسيون على إنتاجه عبر “كرة القدم السياسية”.
لكن، وفي مقابل هذا التوظيف الرمزي، ينصحنا الكاتب سيمون كوبر من أجل مشاهدة ممتعة لمباريات المونديال قائلاً: “تذكّر.. من النادر أن يكون للحظ دور كبير في أي رياضة أخرى مثلما هو في كرة القدم”. ويضيف كوبر ببراغماتية جافة: “عش البطولة تماماً، لكن لا تأخذها على محمل الجد. لا تتصور أن تؤثر مباريات كأس العالم في الحياة الحقيقية، فخلافاً للمبالغات، لا يمكن للبطولة الناجحة أن تبقي رئيساً في السلطة، أو أن تصنع انسجاماً عرقياً في بلد.. يختفي كأس العالم كالحلم، غالباً ما يعكس الواقع الاجتماعي، لكنه لا يشكله”.
ورغم وجاهة طرح كوبر، إلا أن هناك دراما سياسية مستمرة تجعل من كرة القدم ذراعاً استثمارية وسياسية للحكومات، أكثر من كونها مجرد لعبة تثير شغف الملايين وتحرق أعصابهم. ودعك هنا من الكلام المعسول والمتبادل بين الرؤساء عندما تُهزم منتخبات بلادهم، بتلك الجمل المنافقة: “إنها مجرد لعبة” و “لكل حصان كبوة”، لأنها ليست سوى أدوات تخدير دبلوماسية لفك عراك الجماهير الغاضبة.
كرة القدم خصومة سياسية في العمق، سواء حضرت بشكل عنيف وتسببت في سقوط ضحايا —كما حدث في كارثة ملعب “هيسل” في بروكسل عام 1985 إثر الشغب بين جمهور ليفربول ويوفنتوس، وحينها تراجعت أصوات المدربين لتعلو صرخة مارغريت تاتشر وهي تصف المتسببين بـ “حفنة من الغوغاء”— أو بقيت الخصومة مجرد هتاف عنصري منطلق من المدرجات. هل تذكرون عندما فازت فرنسا بكأس العالم 2018، كيف رفض العنصريون أن يكون الرمز الوطني غير أبيض؟ وهو ما دفع الممثل الكوميدي تريفور نوح للتهكم ساخراً: “أفريقيا هي من فازت بكأس العالم”، وهي مزحة سياسية من طراز ثقيل كشفت عورة الزيف الديمقراطي. وحتى عندما وقّع كبار أندية أوروبا على مشروع “دوري السوبر الأوروبي”، كان التنديد سياسياً باحتراف لحماية مصالح الدول، لا اللعبة.
اليوم، ندخل المونديال في جغرافيا يحكمها منطق دونالد ترامب. ترامب لا يرى في التنوع الإثني “فتحاً تقدمياً” كما يراه الإعلام البريطاني، ولا يرى في المونديال “واحة ديمقراطية”. بالنسبة لترامب، كرة القدم هي “أصل تجاري” (Asset)، ومنصة مثالية لإبرام الصفقات، واستعراض القوة الاقتصادية، وإعادة صياغة النفوذ الجيوسياسي لأمريكا. ليس بمقدور أي رئيس دولة إبعاد السياسة عن كرة القدم، مع أننا جميعاً كعشاق نتمنى ذلك؛ لكن في عرين رجل الصفقات، ستتحول الساحرة المستديرة إلى أدق تعبير عن عالمنا المعاصر: عالم لا يؤمن بالروح الرياضية، بل بنتيجة لوحة الأرقام، ومن يملك حق شراء الملعب بأكمله.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية


المزيد.....




- ترجمة خاصة | شبهات اختفاء ملايين الشواكل تثير أزمة في قطاع ا ...
- زاخاروفا: تصرفات زيلينسكي ضد اللغة الروسية نازية جديدة
- تحديات إنتاج أفلام الرسوم المتحركة في العالم العربي: رؤية ال ...
- وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني أحد أبرز وجوه الفن المعاصر ...
- طهران: لا التزامات نووية جديدة.. وترمب يرفض الرواية الإيراني ...
- -هوليوود أفريقيا-.. متحف تاريخ السينما بورزازات المغربية شاه ...
- معرض أربيل الأول للكتاب الكردي.. تعزيز اللغة والثقافة بمشارك ...
- سجن وإبعاد وتهم فضفاضة.. كيف يواجه صحفيو القدس حرب الرواية؟ ...
- المخرج يحيى جابر والممثلة آنجو ريحان في باريس: جنوب لبنان وا ...
- -سويوزمولتفيلم- تطلق المعرض التفاعلي المتنقل -مصنع العجائب- ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - المونديال في زمن الصفقات الترامبية