أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟














المزيد.....

يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 20:20
المحور: الادب والفن
    


تستقر الصحيفة الوردية “فايننشيال تايمز” كل صباح بجانب أقداح القهوة، على الطاولات المصقولة ذاتها التي يتوسدها طقسٌ مقدّس يجمع كبار السياسيين ورجال الأعمال وأساطير المال، حاملةً معها في يوم واحد مفارقةً سوسيولوجية صارخة، تكاد تختزل شيزوفرينيا القرن الحادي والعشرين.
في عدد واحد هذا الأسبوع، وعبر مقالين نُشرا متزامنين، تبدّت لنا الرأسمالية المتوحشة وهي تمارس لعبتها الأثيرة تفكيك الوجود الإنساني وإعادة بيعه مجزأً؛ حيث تمنح الفقراء والمهمشين “الاندماج العام والمستطيل المكشوف”، بينما تبيع للأثرياء “العزلة المطلقة والمستطيل المغلق”. إنها جدلية “الفرجة والتخفي” التي تحكم عالمنا اليوم.
من جهة، يصحبنا الصحافي الساخر هنري مانس الفائز بجائزتين في الصحافة البريطانية، في مقاله المثير للاسئلة “كيف تتحدث بلغة الفيفا”، ليقدم لنا قاموساً تهكمياً يفكك شفرة الخطاب اللغوي والسياسي لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو.
يكشف مانس كيف تحولت منظمة الفيفا إلى طائفة أيديولوجية تبيع للجمهور العريض، وخصوصاً الفقراء والمهمشين في أصقاع الأرض، شعارات براقة مثل “كرة القدم توحد العالم” و”دمقرطة اللعبة”.
لكن هذه اللغة، في جوهرها التسويقي، لا تعني سوى رغبة الرأسمالية الرياضية في تحويل “العلنية” و”الفرجة” إلى سلعة استهلاكية؛ حيث يُدفع مئات الملايين من البشر للاحتشاد في الميادين والمدرجات، والصراخ تحت الضوء، واستهلاك الأوهام القومية المتاحة للجميع، لكي يشعروا بآدميتهم وانتمائهم لهذا العالم. كرة القدم هنا هي “المستطيل المكشوف” الذي تجبر فيه المنظومة الجميع على الاندماج والظهور العلني الصاخب لضخ الأموال في حسابات سويسرا.
فـ”الفيفا” وفق مانس، لم تعد مجرد منظمة رياضية، بل تحولت إلى ما يشبه “دولة فوق الدول” أو طائفة أيديولوجية لها لغتها الخاصة وقاموسها السري الذي يدمج بين لغة الشركات الكبرى، ومصطلحات التنمية البشرية، والخطاب السياسي الانتهازي.
التفسير الحقيقي في قاموس إنفانتينو، “العالم” لا يعني المشجعين في الشوارع، بل يعني “الأسواق الجديدة”. توحيد العالم يعني تحطيم الخصوصيات الثقافية للدول وجعل الجميع يستهلكون ذات المنتج الإعلاني. عندما يقول إنفانتينو صديق المشاهير والأثرياء إن اللعبة توحد البشر، فهو يقصد أن الفيفا عثرت على طريقة تجعل الحكومات الديكتاتورية والديمقراطية تضخ الأموال في ذات الحساب البنكي في سويسرا دون أي إزعاج من البرلمانات أو منظمات المجتمع المدني.
وفي ذات العدد من الصحيفة الوردية، وتلك هي المفارقة، تفكك مراسلة الرفاهية الدولية إليزابيث باتون المشهد المغاير تماماً في مقالها المثيرة “هل الخصوصية هي أحدث السلع الفاخرة؟”. تأخذنا باتون إلى شارع “نيو بوند” في قلب لندن، حيث افتتحت دار “هيرميس” الفرنسية متجرها العملاق الجديد تحت شعار متغطرس “العالم لا يزال يأتي إلى لندن”. لكن الإثارة الحقيقية لا تكمن في حقائب الجلد الأسطورية والقمصان باهضة الثمن، بل في الهندسة المعمارية للمتجر؛ صالونات شاسعة، مخفية عن أعين المتسوقين، مصممة خصيصاً للطبقة فائقة الثراء. الأثرياء هنا لا يدفعون ملايين الدولارات ثمناً لسلعة، بل يدفعون ثمن “الاختفاء”. قبل أسابيع تجولت في المتجر من دون أن أشتر سلعة واحدة، ولأنني من عامة المتجولين وليس المتسوقين، لم أر أو أشعر بوجود صالونات الرفاهية المخفية عن الأنظار!
لقد صار المفهوم الأحدث للرفاهية هو الهروب من كاميرات الهواتف الذكية وضوضاء السوشيال ميديا وعيون العوام. الرأسمالية التي حوّلت حياة الفقراء إلى مشهد مكشوف ومستباح في ملاعب الفيفا، تبيع للأغنياء في صالونات هيرميس ملاذاً من الصمت والسرية والعزلة.
توضح باتون أن سر مناعة “هيرميس” ضد الأزمات الاقتصادية هو التزامها الصارم بـ “صناعة الندرة”. المتجر الجديد يضم قطعاً فنية وتصاميم حصرية تمزج الحرفية الفرنسية بالثقافة البريطانية (مثل سروج الخيل الفاخرة واللوحات الفنية المنتشرة في الزوايا). هذا الأسلوب يحول المتجر من مكان للبيع إلى “نادٍ نخبوّي مغلق”، حيث يلهث المستهلك خلف المنتج الذي لا يراه الآخرون، مما يضمن للعلامة التجارية الحفاظ على جاذبيتها الأسطورية.
تضعنا هذه المفارقة اليومية التي قنصتها الصحيفة البريطانية من دون قصد، كما يبدو، أمام حزمة من التساؤلات الفلسفية والأدبية المقلقة التي تتدفق أمام القارئ العربي كعلامات استفهام حادة: هل تحولت “الخصوصية” إلى رداء نبالة جديد لا يرتديه إلا من يملك رصيداً بنكياً فلكياً؟ وكيف تحول المستطيل —سواء كان ملعباً لكرة قدم يضج بالهتاف، أو صالوناً مغلقاً في متجر فاخر يلوذ بالصمت— إلى أداة لفرز الوجود الإنساني وتحديد قيمته الطبقية؟
إنها اللعبة السيكولوجية الأكثر تهكماً في تاريخ المجتمعات المعاصرة؛ يُطلب من الفقير أن يندمج، أن يُرى، أن يصرخ بكامل صوته في فضاء الفيفا العام ليثبت وجوده، بينما ينسحب الغني إلى مستطيله المغلق مستأجراً الصمت، ومشترياً مساحته الخاصة بعيداً عن حشد الجماهير وضوضاء المونديال.
الفقير يُمنح “وهم الشراكة العالمية” من خلال شاشة التلفاز والمدرج، والغني يشتري امتياز “الخروج من العالم” والتحصن في غرف الرفاهية السرية.
تُرى، أي غواية هذه التي تجعل المجتمع الإنساني يقبل بهذه المقايضة المجحفة؟ هل أصبحت العدالة مجرد شعار أجوف تلوكه ألسنة ساسة الرياضة على منابر الفيفا، بينما تصاغ القوانين الفعلية للحياة في دهاليز الأندية المغلقة والصالونات المخفية؟ إن الصدفة الصحافية التي جمعت هنري مانس وإليزابيث باتون في عدد واحد، تثبت أننا لا نعيش مجرد تفاوت اقتصادي فاحش، بل نعيش أزمة وجودية، تحول فيها الإنسان إما إلى كائن مستباح للفرجة والهتاف، أو إلى شبح ثري يملك وحده حق الاختفاء خلف جدران الرفاهية المطلقة، تاركاً العامة في مدرجاتهم الصاخبة، بانتظار صافرة نهاية لا تأتي.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد


المزيد.....




- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟
- متحف النصر يحيي ذكرى الحرب الوطنية العظمى بمعرض تشكيلي للفنا ...
- رواية -غرفة حنا دياب- تفك شفرة الهوية الحلبية وأسرار ألف ليل ...
- فقر بـ-فلاتر- وموسيقى مرحة.. كيف يجمّل -ورد على فل وياسمين- ...
- فنون الطبخ المتوسطي تتألق في تونس استعدادًا للموسم السياحي
- -هندسة التمثيل-: قراءة تحليلية في تعديلات النظام الانتخابي ا ...
- أوبرا -الحرب والسلام- لكونشالوفسكي تفتتح مهرجان -بروكوفييف ل ...
- -مخاطر مهنية-.. فيلم فلسطيني عن التهجير في القدس


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟