كريم عبدالله
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 14:56
المحور:
الادب والفن
في الفجرِ كانتْ مكةُ تغسلُ وجهَها بماءِ الدعاءِ، وكانتِ الكعبةُ ترفعُ أستارَها كأنها تستمعُ لنبضِ السماءِ في صدرِ الحسينْ. لكنَّ الريحَ كانتْ تحملُ من دمشقَ رائحةَ السيفِ وخطى الذئابْ.
هناكَ… في بلاطِ الطغيانِ، كانتْ الكؤوسُ تُرفعُ باسمِ الموت، وكانتِ الأوامرُ تخرجُ من فمِ الظلامِ مثلَ أفاعٍ سوداءَ تزحفُ نحوَ قلبِ النبوّةْ:
“اقتلوهُ… ولو كانَ معلقًا بأستارِ الكعبةْ.”
يا الله…
أيُّ زمنٍ هذا الذي صارَ فيهِ البيتُ الحرامُ أضيقَ من حقدِ الطغاة؟! أيُّ ليلٍ ألقى على أرواحِهم كلَّ هذا الفحمِ حتى صاروا يخافونَ رجلاً يحملُ في عينيهِ وضوءَ جدِّهِ الرسول؟!
عندها…
رأى الحسينُ أنَّ الحجَّ الحقيقيَّ ليسَ طوافًا حولَ الحجرْ، بلْ طوافُ الروحِ حولَ الحقيقةْ.
فحلَّ إحرامَهُ…
لكنَّ الملائكةَ كانتْ ترى أنَّهُ في تلكَ اللحظةِ دخلَ أعمقَ مناسكِ الخلودْ.
خلعَ ثيابَ الحجِّ كي يرتدي ثوبَ الشهادةْ، وأغلقَ خلفَهُ بابَ النجاةِ الشخصيةْ ليفتحَ للأرضِ بابَ الكرامةِ الكبرى.
ثمَّ سارَ…
وخلفَهُ كانتْ نساءُ النبوّةِ يحملنَ قناديلَ الصبرِ في مهبِّ العاصفةْ، وكانَ الأطفالُ ينامونَ على أكتافِ القدرْ، بينما النجومُ تتساقطُ حزنًا على الطريقِ إلى العراقْ.
كانَ الطريقُ مليئًا بعيونِ الجواسيسِ وسكاكينِ البلاطِ الأمويِّ، لكنَّ الحسينَ كانَ يمشي بطمأنينةِ نبيٍّ يعرفُ أنَّ اللهَ يكتبُ بالدمِ أعظمَ قصائدِ الحريةْ.
يا ابنَ عليٍّ…
حينَ غادرتَ مكةَ لم تغادرْكَ الكعبةُ، بلْ كانتْ تدورُ حولَ قلبكَ كقمرٍ جريحْ. وحينَ قطعتَ مناسكَ الحجِّ أكملتَ مناسكَ الإنسانْ. لأنَّ الذينَ يحفظونَ قداسةَ الحجرِ ويقتلونَ روحَ العدالةِ ليسوا سوى أصنامٍ ترتدي وجوهَ البشرْ.
مضيتَ…
وكانَ الفراتُ يرتجفُ في البعيدِ كأنَّهُ يعرفُ أنَّ عطشَ الحسينِ سيحوّلُ الماءَ إلى مرثيةٍ أبديةْ. وكانَ التاريخُ واقفًا عندَ أبوابِ العراقِ ينتظرُ كيفَ سيكتبُ رجلٌ واحدٌ بدمِهِ سقوطَ إمبراطوريةِ الظلامْ.
#كريم_عبدالله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟