أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - الأرضُ التي نسيتْ اسمَها في فمِ القصيدة














المزيد.....

الأرضُ التي نسيتْ اسمَها في فمِ القصيدة


كريم عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 13:38
المحور: الادب والفن
    


في اللّيلةِ التي تأخّرَ فيها القمرُ عن الوصولِ إلى نافذتِه، سمعتُ الأرضَ تبكي بلغاتٍ لا يعرفُها أحد. كانتْ تجرُّ وراءَها خرائطَ محترقة، وتماثيلَ مكسورةَ الأصابع، وأسماءَ شعوبٍ ذبحها النسيانُ على أبوابِ التاريخ. قالتْ لي: أنا الأرضُ لكنّهم مزّقوني إلى أعلامٍ وحدود. كنتُ أغنيةً واحدة، ثم صارَ لكلِّ جنديٍّ طبلةٌ تخصُّ موتَه.
---
ورأيتُ الثقافاتِ تمشي في العاصفةِ كأطفالٍ فقدوا أمَّهاتِهم. لغةٌ إفريقية كانتْ ترتجفُ مثل طائرٍ مبتلّ، تبحثُ عن فمٍ يُنقذُ آخرَ حروفِها. ولغةٌ من سهوبِ آسيا كانتْ تخيطُ بالصمتِ معطفًا للريح. ولغةٌ من أميركا القديمة ما تزالُ تحملُ في جرارِها الفخارية رمادَ الآلهةِ ورائحةَ الذرةِ الأولى. أما العربيةُ فكانتْ خارجةً من بئرِ المجاز، تجرُّ خلفَها خيولَ المعاني ونجومَ الصحراءِ وأصواتَ الأنبياءِ.
---
وفجأةً انفتحَ في السماءِ جرحٌ هائل، وخرجتْ منه موسيقى تشبهُ بكاءَ الكواكب. رأيتُ شاعرًا من الأنديز يعزفُ على عظمِ الغياب، ورسّامةً من اليابان تلوّنُ الفجرَ بأصابعَ من مطر، وطفلًا عربيًّا يصنعُ من رصاصةٍ فارغة نايًا ويعزفُ للحمام. حينها فهمتُ: أنّ الفنَّ ليس رفاهيةً، بل جهازَ تنفّسٍ لروحِ العالم.
---
يا أيّها الناس، إنّ الحضاراتِ لا تموتُ دفعةً واحدة، بل حين تتوقّفُ أمٌّ عن تعليمِ طفلِها أغنيةَ الجدّات. وحين تخجلُ لغةٌ من لهجتِها. وحين يُصبحُ الاختلافُ تهمةً.
---
تعالوا… لنصنعْ من الحروفِ سُلّمًا يصعدُ عليه البشرُ نحو بعضِهم البعض. تعالوا نعلّقُ على أبوابِ العالم قناديلَ اللغات، كي لا تضيعَ البشريةُ في عتمةِ الصوتِ الواحد.
فاللهُ لم يخلقْ الأرضَ بلونٍ واحد، ولا بموسيقى واحدة، ولا بقلبٍ واحد. لقد وزّعَ روحَه على الشعوبِ كما يوزّعُ الربيعُ أزهارَهُ على الجهات.
---
أنا لا أنتمي إلى وطنٍ واحد. وطني قصيدةٌ إذا قرأها صيّادٌ من تشيلي بكى، وإذا سمعها راعٍ كرديّ رأى طفولتَهُ تعودُ من الثلج، وإذا ترجمتْها امرأةٌ إفريقية أزهرتْ في فمِها شجرةُ مانجو.
---
لهذا أكتبُ… كي لا تموتَ اللغاتُ بردًا. كي تتذكّرَ الأرضُ اسمَها الحقيقيّ. كي يعرفَ الإنسانُ أنّ أخاهُ ليس الذي يشبهُه، بل الذي يختلفُ عنه ويمنحهُ اتّساعَ المعنى.
---
وفي آخرِ الليل، حين نامتِ القاراتُ على كتفِ البحر، رأيتُ اللهَ
يمرُّ بين الشعوبِ حافيًا، ويجمعُ من أفواهِ الأطفال الحروفَ المتساقطة، ثمَّ يصنعُ منها شمسًا جديدةً للبشرية.



#كريم_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امرأةٌ أربكتْ قوانينَ العبور
- إصدار أدبي جديد يفتح جسور الشعر بين الشرق والغرب
- إعلان عن إصدار أدبي جديد بكل فخر واعتزاز، نُعلن عن صدور العم ...
- الخالدون والعابرون
- أبناء الريح
- حين يحكم العالمَ مجموعةٌ من الحمقى
- الليالي الحمراء في فندقٍ بعيد
- بين عطركِ والخراب يولد فجرٌ آخر
- بعد أن انتهت الحرب
- صدر حديثًا على منصة Amazon 📘 الحب يولد بين ذراعيك - ...
- الضفائر لا تموت
- خرائط الجسد بعد انتهاء الحرب
- سِفْرُ العَضَّةِ الأُولى
- العودة إلى الجنة المائية
- بين رعشتين… يولد العالم مؤجَّلًا
- سيرةُ الجسد حين مرَّ اللغمُ من هنا
- غجريةٌ على خيطِ نار
- الرجال الذين شهدوا الحرب
- أنشودة الانهيار- قصة قصيرة
- مَنْبَعُ الضَّوْءِ الأَخِير


المزيد.....




- -المحطة- أوّل فيلم يمني يعرض في مهرجان كان السينمائي
- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...
- رُكام الأسى في قصيدة -الحزن وباء عالمي- لإدريس سالم
- مدير عام الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية: حريص ...
- عن الخوف وشرطة الفكر
- -بابيون-عملاقة.. ديمي مور تظهر بـ -فستان ضخم- في مهرجان كان ...
- في معرض الدوحة.. ناشرون يرصدون تحديات صناعة النشر العربية
- رحيل «مرسول الحب».. المغرب والعالم العربي يودعان الهرم الموس ...
- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - الأرضُ التي نسيتْ اسمَها في فمِ القصيدة