أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - الليالي الحمراء في فندقٍ بعيد














المزيد.....

الليالي الحمراء في فندقٍ بعيد


كريم عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 13:46
المحور: الادب والفن
    


حين التهمت الحربُ خرائطَنا وتركت أوطانَنا رمادًا يتطاير في نشرات الأخبار، حملنا ما تبقّى من قلوبنا وسافرنا.
لم نكن نهرب، كنا نبحث عن بقعةٍ لا تعرف أسماء الجنرالات، عن سماءٍ لا تسقط منها القذائف بل نجومٌ صافية تلمع كأملٍ صغير في جيب عاشقين.
---
على باب الفندق وقفنا. أنا وأنتِ. غريبان يعرف كلٌّ منهما تفاصيل روح الآخر، غريبان التقيا لأول مرة كأنّ السنوات الطويلة لم تكن فراقًا بل امتحانًا لقلبين أقسما أن ينجوا.
رأيتكِ. لا صورةً على شاشة، لا صوتًا مرتجفًا عبر أسلاكٍ بعيدة، بل جسدًا من نورٍ وارتعاش. تقدّمتِ خطوة، وتقدّمتُ عمراً كاملاً.
حين تعانقنا — توقّف العالم . انطفأت المدافع، خجل الرصاص، وانسحبت الحرب إلى زواياها المظلمة. كان العناق وطناً. وكان صدركِ الحدودَ الوحيدة التي أعترف بها.
---
لم نصدّق. كأنّ المعجزة تخاف أن تُفضَح، وكأنّ الحلم قد يستيقظ إن نطقنا باسمه. ضحكنا وبكينا في الوقت ذاته، وتعلّقنا ببعضنا كما يتعلّق الغريق بخشبة نجاة وسط بحرٍ من الفقد.
---
حجزنا غرفةً كأننا نحجز زمناً خاصاً بنا. أغلقنا الباب، لا لنختبئ، بل لنحمي اللحظة من الغدر.
كل دقيقة كانت كنزًا، كل نظرة صلاة، كل لمسة اعترافًا بأن الشوق إذا طال يتحوّل إلى نارٍ مقدّسة.
---
على السرير لم نكن جسدين، بل جبهتين ترفضـان الهزيمة.
استسلمنا لرغباتنا كما تستسلم الأرض للمطر بعد جفافٍ طويل، كما يذوب الثلج حين تعترف له الشمس بحبّها.
كان الجنون خلاصًا، وكانت أنفاسنا نشيدًا سرّيًا يعلو فوق خطابات الحرب.
وفي الليالي الحمراء لم يكن اللون لون الخطيئة، بل لون الحياة حين تقرر أن تنتصر ولو مؤقتًا.
لعنّا الحرب. لعنّا وجوهها الباردة، ولعنّا الرجال الذين باعوا البلاد مقابل مقاعد أعلى وطاولات أطول.
قلنا إن الحبَّ أشرف من كل بياناتهم، وأن قبلةً صادقة أصدق من كل راياتهم.
---
ثم جاء الصباح الأخير. كان الضوء ثقيلاً، كأنه يعرف أننا سنفترق.
على باب الفندق ذاته وقفنا مرةً أخرى، لكننا هذه المرة كنّا نحمل يقينًا موجعًا:
أن الحرب اتسعت، وأن الطرق أُغلقت، وأن القلوب نفسها قد تُحاصر.
احتضنّا بعضنا طويلاً. لا كوداعٍ عابر، بل كمن يطبع ذاكرته في جسد الزمن.
قلتِ شيئًا لم أسمعه، لأن دقّات قلبي كانت أعلى. وقلتُ لكِ شيئًا لم تفهميه، لأن دموعكِ سبقت اللغة.
---
افترقنا. لكن تلك الليالي لم تكن نزوةً في فندقٍ محايد، بل كانت إعلانًا سريًا أن الحبّ أقوى من المدافع، وأبقى من الطغاة، وأصدق من خرائطٍ رسمتها الدماء.
وإن لم نلتقِ مرةً أخرى، فقد التقينا بما يكفي لنؤمن أن في هذا الكون رغم كل شيء فسحةً حمراء اسمها: الحياة.



#كريم_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين عطركِ والخراب يولد فجرٌ آخر
- بعد أن انتهت الحرب
- صدر حديثًا على منصة Amazon 📘 الحب يولد بين ذراعيك - ...
- الضفائر لا تموت
- خرائط الجسد بعد انتهاء الحرب
- سِفْرُ العَضَّةِ الأُولى
- العودة إلى الجنة المائية
- بين رعشتين… يولد العالم مؤجَّلًا
- سيرةُ الجسد حين مرَّ اللغمُ من هنا
- غجريةٌ على خيطِ نار
- الرجال الذين شهدوا الحرب
- أنشودة الانهيار- قصة قصيرة
- مَنْبَعُ الضَّوْءِ الأَخِير
- من يشتري أحلامي؟
- هكذا يتأخر العائدون... لأنهم لا يعودون
- متى يموت المكان؟
- لباسُكِ النمريّ... حين انجلى لونه في فضاءٍ بلا وطن
- من بعدكِ، تنكسر الجهات
- على تخوم الغياب، يبكي الوطن
- في اسمِها... يُصلبُ الكوكب


المزيد.....




- فلسطين 36.. كيف أعادت آن ماري جاسر صياغة جذور النكبة سينمائي ...
- حين بدأت الحكاية.. كيف يقرأ فيلم -فلسطين 36- جذور النكبة؟
- عبد العزيز سحيم.. قارئ يرسخ حضور جيل جديد في الجزائر
- 7 رمضان.. يوم سيادة عثمانية على المتوسط وميلاد الأزهر
- “المخرج الأخير”
- سفينة الضباب في المرافئ
- ملفات الشيطان
- عن المعتوهين من بني جلدتنا!
- فنانو ميسان.. حضور لافت في دراما رمضان تمثيلا واخراجا وكتابة ...
- حكاية مسجد.. -حميدية- بتركيا بناه عبد الحميد الثاني وصممت دا ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - الليالي الحمراء في فندقٍ بعيد