أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - ثلاثية الطريق والعدالة المؤجلة














المزيد.....

ثلاثية الطريق والعدالة المؤجلة


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 18:21
المحور: الادب والفن
    


في زمن يختلط فيه عبور الطرق بعبور المعاني، كان رجل يمتطي “حصانه الحديدي” برفقة رفيقه جمال المنيح، متجهين نحو قرية عين السي عمار بجماعة وليلي زرهون. كان الطريق يمتد أمامهما كصفحة مفتوحة على تأويلات الحياة، هادئا تارة، ومباغتا تارة أخرى.

لم يكن في المشهد ما يثير القلق، حتى قطع سكون الرحلة نباح كلب ظهر فجأة على جانب الطريق، وكأنه يحتج على وجود عابر لا يفهم قوانين المكان. ضحك الرفيقان، لكن الضحكة سرعان ما تحولت إلى شرارة حكاية، أطلقها جمال المنيح من ذاكرة تبدو وكأنها لا تنام.

قال إن الزمن، في إحدى رواياته الغريبة، جمع كلبا وحمارا وجديا داخل سيارة أجرة واحدة. كانوا مسافرين نحو وجهات مختلفة، لكنهم محكومون بمقعد واحد ومصير مؤقت.

عند منتصف الطريق، نزل الحمار بهدوء، أخرج ما عليه من أجر الركوب، ثم مضى وكأنه أنهى عقده مع العالم دون أسئلة. وبعده بقليل، نزل الجدي مسرعا، تاركا خلفه الفاتورة معلقة في الهواء، كأنها مسؤولية بلا صاحب. أما الكلب، فقد ظل حتى المحطة الأخيرة، صامتا، مراقبا، ملتزما بما تبقى من الرحلة.

عند الوصول، سلم الكلب للسائق ورقة نقدية، ظنا منه أن العدالة في الطريق تشبه الحساب في نهايته. لكن السائق، وقد اختلط عليه الأمر، رفض إعادة الباقي، متهما الكلب بأنه شريك الجدي في الهروب من الدين، وأن المسؤولية في عالم النقل لا تتجزأ حين يغيب العدل.

منذ تلك اللحظة، صار الكلب يركض خلف كل سيارة تمر، لا بدافع العدوان، بل احتجاجا مؤجلا على نقود لم تسترد، وعلى نظام لم ينصفه. أما الجدي، فكلما لمح مركبة، قفز هاربا كمن يطارده تاريخ غير مكتوب. في حين ظل الحمار يقف وسط الطريق، ثابتا، كأنه صاحب المكان ومالكه غير المعلن، لا يعترف بمرور ولا بحدود.

وهكذا، تحولت الحكاية إلى استعارة عن العدالة حين تتشظى بين الالتزام والهروب والادعاء. فليس كل من دفع نجا، ولا كل من هرب نسي، ولا كل من وقف في الطريق كان صاحب الحق… بل أحيانا، يصبح الطريق نفسه هو القاضي، والركاب مجرد شهادات عابرة في محكمة لا تغلق ملفاتها أبدا.
ويبقى الراوي، في زاوية خفية من الحكاية، ليس مجرد ناقل للأحداث، بل حارس للقصص وحكايات السلام. يجلس على عتبة الذاكرة، يلتقط ما يتساقط من تفاصيل الطريق، ويعيد ترتيبه كي لا تبتلعه العجلة ولا يطويه النسيان.

هو لا يتدخل في مصائر الكلب ولا الجدي ولا الحمار، لكنه يحرس أثرهم في الكلام، كمن يصون شهادة قد تحتاجها الأجيال القادمة لفهم معنى العدالة حين تعبر الطرق ولا تعود كما كانت.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين حوكم الضوء وتوارى الظلام
- أنا... صوت الحكاية الأولى
- حين رفض القبر أن يبتلع السر
- عند عتبة الرحمة
- سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
- ظل الكبش الأبيض
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة


المزيد.....




- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...
- الحرب والموسيقى والحُبّ: أسبوع الشرق الأوسط في الصحافة السوي ...
- احتجاز الممثلتين سوزان ساراندون وهانا أينبيندر خلال احتجاج ض ...
- 120 عاما على ميلاد شوستاكوفيتش.. موسيقى وُلدت وسط العواصف
- -روسيا وإيطاليا-.. كتاب جديد يرصد جسور الثقافة التي جمعت الب ...
- ما الأسماء التي يختارها الروس لمواليدهم في 2026 وما دلالاتها ...
- روسيا وسوريا تبحثان استئناف مشروع ترميم قوس النصر في تدمر
- إيطاليا تحظر البرقع والنقاب في المدارس وتقيد الطلاب الضعاف ف ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - ثلاثية الطريق والعدالة المؤجلة