|
|
القضية الكردية في أدب إبراهيم اليوسف: من المظلومية إلى الملحمة العالمية
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 11:38
المحور:
الادب والفن
تتدرج القضية الكردية في نصوص اليوسف عبر مستويات متعددة، تبدأ بـ "التوثيق" وتمر بـ "الأنسنة" وصولاً إلى "الفلسفة". أولا:. توثيق الفجيعة (أدب الفرمانات والمجازر) يعتبر اليوسف من أبرز الأدباء الذين وثقوا المحطات الدامية في التاريخ الكردي الحديث، خاصة ما يتعلق بحملات الإبادة: شنكال وعفرين: في روايته "شنكالنامه"، يقدم اليوسف سرداً ملحمياً لمأساة الإيزيديين عام 2014، معتبراً إياها امتداداً لـ 74 حملة إبادة (فرمان). القضية هنا ليست مجرد خبر سياسي، بل هي صراع وجودي بين "إرادة المحو" و"إرادة البقاء". التوثيق كفعل مقاومة: يرى اليوسف أن الكتابة هي الأداة الوحيدة لإنقاذ الضحايا من "النسيان"، وهو ما يظهر في توثيقه لأحداث القامشلي 2004 ومآسي التهجير في الشمال السوري. يحتل محور "توثيق الفجيعة" مكانة مركزية في مشروع إبراهيم اليوسف، حيث ينتقل بالأدب من حيز الترف الجمالي إلى حيز "الشهادة التاريخية". بالنسبة لليوسف، الفجيعة الكردية ليست أحداثاً عابرة، بل هي سلسلة متصلة من محاولات إلغاء الوجود، وما الكتابة إلا وسيلة لكسر حلقة "المحو" وضمان خلود الضحية في الذاكرة الإنسانية. 1. "شنكالنامه": تدوين الملحمة والفرمان 74 في روايته "شنكالنامه"، لا يكتفي اليوسف بسرد ما حدث للإيزيديين في شنكال عام 2014، بل يضعه في سياق تاريخي عميق: فلسفة الفرمان: يوظف اليوسف مصطلح "الفرمان" ليشير إلى حملات الإبادة الممنهجة. هو يرى أن ما فعله تنظيم "داعش" لم يكن مجرد هجوم إرهابي، بل هو "الفرمان الرابع والسبعون"، أي حلقة جديدة في مسلسل تاريخي طويل يهدف إلى استئصال هذا المكون الأصيل. تحويل الخبر إلى ملحمة: بينما تنقل وسائل الإعلام الأرقام والإحصائيات، يقوم اليوسف بـ "أنسنة المأساة"؛ فيحول الضحايا من أرقام إلى حكايات، ومن جثث إلى أرواح تروي تفاصيل صمودها فوق الجبل. الرواية هنا تعمل كـ "سجل أخلاقي" يدين القاتل ويخلّد صرخة المظلوم. 2. "عفرين" والتهجير: توثيق اقتلاع الجذور يعد اليوسف من أوائل الذين رصدوا مأساة عفرين وما تلاها من عمليات تهجير وتغيير ديموغرافي: صدمة الاقتلاع: يركز في نصوصه على سيكولوجيا "الخروج القسري"؛ كيف يفقد الإنسان بيته، وزيتونه، وذكرياته في لحظة غادرة. القضية في عفرين عنده هي قضية "جغرافيا تُستباح وذاكرة تُنهب". الانتصار بالكلمة: يرى أن توثيق هذه اللحظات هو "فعل مقاومة"؛ لأن القاتل يراهن على أن النسيان سيمحو الجريمة، لكن النص الأدبي يثبت الجريمة في سجل التاريخ ويجعل من "عفرين" أيقونة للوجع السوري والكردي العام. 3. التوثيق كـ "فعل مقاومة" (القامشلي 2004 نموذجاً) يمتد النفس التوثيقي عند اليوسف ليشمل محطات مفصلية مثل أحداث القامشلي (انتفاضة 2004): إنقاذ الضحايا من النسيان: يرى اليوسف أن "الموت الحقيقي" للضحية ليس في رحيلها الجسدي، بل في نسيان حكايتها. لذا، فإن كتابته عن شهداء القامشلي وعن المعتقلين هي محاولة لـ "تحنيط اللحظة" جمالياً وتاريخياً. الكتابة كأداة للحق: التوثيق عند اليوسف هو "وثيقة حقوقية" بامتياز؛ هو يستخدم الحبر ليرسم ملامح القرى المنسية، والمجازر الصامتة، والمنافي التي ابتلعت الأجساد. الكتابة هي الأداة الوحيدة التي تمتلكها الضحية لمواجهة "آلة المحو" التي يمتلكها المستبد. 4. الصراع بين "إرادة المحو" و"إرادة البقاء" تتلخص فلسفة التوثيق عند اليوسف في هذا الصراع الثنائي: إرادة المحو: تمثلها المنظومات الاستبدادية والقوى الظلامية التي تريد مسح الهوية الكردية وتاريخها. إرادة البقاء: يمثلها "النص الأدبي". اليوسف يؤمن بأن "الكلمة أبقى من الرصاصة"؛ فبينما يذهب القتلة إلى مزبلة التاريخ، تبقى النصوص التي وثقت الفجيعة شهادة حية على عظمة شعب رفض الاندثار. الذاكرة في مواجهة "الفرمان": سردية البقاء في أدب اليوسف، لا تظهر الفجيعة كحدث طارئ، بل كـ "قدر متجدد". في رواية "شنكالنامه"، لا يسرد الكاتب واقعة "داعش" عام 2014 كتقرير إخباري، بل يفتح بوابة التاريخ ليربطها بما يسميه "الفرمان الرابع والسبعون". 1. حين تنطق الجغرافيا: شنكال والجبل يهجر اليوسف اللغة التقريرية ليعطي الجبل صوتاً. في سرده، يصبح جبل شنكال هو "الحاضنة الأسطورية"؛ هو الصدر الذي ارتمى عليه الإيزيديون حين ضاقت بهم الأرض. لا يكتفي الكاتب بوصف الهروب، بل يسرد "حشرجة" الأنفاس وهي تصعد المنحدرات، وتشبث الأمهات بـ "شيفرة البقاء" المتمثلة في تراتيل قديمة تُهمس في أذن الصغار لئلا تضيع الهوية وسط غبار الموت. الفجيعة هنا ليست في القتل الجسدي فحسب، بل في محاولة "اقتلاع الكينونة"، وهو ما يواجهه اليوسف بسرد تفصيلي يعيد بناء "شنكال" كمعبد كوني لا يطاله المحو. 2. "عفرين" واغتصاب الرمز في تناوله لمأساة عفرين، ينتقل السرد عند اليوسف إلى "مرثية للأرض". هو لا يتحدث عن "سقوط مدينة"، بل عن "يتم الزيتون". يسرد اليوسف حكاية الشجر الذي أُقتلع، والبيوت التي سكنها الغرباء، محولاً الوجع من قضية "خارطة" إلى قضية "ذاكرة منهوبة". السرد هنا يأخذ طابعاً "حسياً"؛ تشم فيه رائحة التراب المحروق، وتسمع صرير الأبواب التي أُغلقت خلف أصحابها قسراً. التوثيق لديه هو "استرداد بالكلمات" لما ضاع بالرصاص. 3. انتفاضة القامشلي 2004: تدوين الصرخة الأولى في "ممحاة المسافة" وما تبعها من نصوص، يعيد اليوسف سرد لحظة 2004 في القامشلي بوصفها "لحظة الانفجار الوجداني". لا يسردها كاضطراب سياسي، بل كولادة جديدة للوعي الكردي السوري. يركز في سرده على ملامح الشباب الذين واجهوا الرصاص بصدور عارية، محولاً أسماءهم من قوائم "شهداء" صامتة إلى شخصيات روائية نابضة بالحياة، لها أحلامها، وقصص حبها، وعلاقتها بشوارع المدينة الطينية. الكتابة هنا تعمل كـ "ممحاة للمسافة" بين تلك اللحظة وبين الحاضر، مانعةً المستبد من إعلان انتصاره عبر "تزييف الرواية". 4. التوثيق كـ "رتق" للكيان الممزق يستخدم اليوسف استعارته الشهيرة "إبرة الذهب" في سرده للفجيعة؛ فهو يدرك أن المأساة مزقت النسيج الاجتماعي والروحي للكرد. لذا، يأتي السرد لـ "رتق" هذه التمزقات؛ حيث يجمع بين أنين الناجية في شنكال، وبين وجع المهجّر في عفرين، وبين حنين المنفي في ألمانيا. هذا "الرتق السردي" يخلق "هوية سردية موحدة"؛ تجعل من كل فجيعة محلية جزءاً من "ملحمة كبرى" لشعب يصر على أن يظل "حارساً للذاكرة" مهما بلغت قسوة الفرمانات. ثانيا:. أنسنة القضية (تفكيك النمطية) أهم مساهمة لليوسف في خدمة القضية الكردية هي "أنسنة الكردي" وتخليصه من القوالب الجاهزة (المقاتل أو الضحية المستسلمة): حق الضعف والحلم: يصور اليوسف الإنسان الكردي الذي يحب، ويخاف، ويتردد. هذه "الأنسنة" تجعل القارئ غير الكردي يتعاطف مع القضية كقضية إنسان يبحث عن "الحياة العادية" والأمان، وليس كقضية أيديولوجية معقدة. المرأة الكردية: تبرز المرأة في أدبه كحاملة للهوية وحارسة للغة، مما يعطي للقضية بعداً اجتماعياً وثقافياً عميقاً. في أدب إبراهيم اليوسف، تتوقف الشخصية الكردية عن كونها "مانشيت" صحفياً أو شعاراً سياسياً، لتتحول إلى كائن من لحم ودم. هو لا يكتب عن "القضية" ككتلة صماء، بل يفككها إلى جزيئات إنسانية صغيرة، معيداً صياغة الكردي في مخيلة القارئ من صورة نمطية جمدتها الأيديولوجيا إلى صورة "الإنسان المكتمل" في ضعفه وقوته. 1. تحطيم "صنم" المقاتل والضحية لسنوات طويلة، حُصر الكردي في الأدب والسينما في صورتين: إما "المقاتل الجبلي" الخارق الذي لا يقهر، أو "الضحية المنكسرة" التي تثير الشفقة. جاء اليوسف ليخترق هذين القالبين؛ ففي روايته "جمهورية الكلب" أو نصوصه السردية، نلتقي بالكردي الذي يجلس في المقهى، يتردد أمام اتخاذ قرار المصير، ويشعر بالرعب الحقيقي من أصوات القذائف. اليوسف يمنح الكردي "حق الخطأ"؛ فهو ليس ملاكاً ولا بطلاً ملحمياً بالضرورة، بل هو إنسان قد يضعف، قد يغار، وقد يحلم بأشياء تافهة وبسيطة في نظر السياسيين، لكنها جوهرية في نظر الحياة. هذه "الأنسنة" هي التي تجعل القارئ (العربي أو الغربي) يرى نفسه في هذه الشخصية، فيتحول التعاطف من "تضامن سياسي" إلى "تآخٍ إنساني". 2. سيكولوجيا "الحياة العادية" يركز اليوسف في سرده على أن القضية الكردية في جوهرها ليست صراعاً على الخرائط فحسب، بل هي صراع من أجل "استعادة اليومي المفقود": يسرد اليوسف تفاصيل دقيقة عن حب الكردي للقهوة المرّة، وعن طقوسه في استقبال الربيع، وعن قلقه على مستقبله الدراسي. من خلال تصوير الكردي وهو يبحث عن "الأمان" و"السكينة"، يخرج القضية من دائرة "الأيديولوجيا المعقدة" ويدخلها في فضاء "الحق في الحياة". عندما يرى القارئ أن الكردي يخاف على أطفاله تماماً كما يخاف أي أب في العالم، تسقط الجدران العرقية، وتصبح القضية قضية "عدالة إنسانية" شاملة. 3. المرأة الكردية: من الهامش إلى "سُدّة الهوية" يمثل تصوير المرأة عند اليوسف حجر الزاوية في تفكيك النمطية؛ فهي ليست "تابعة" للرجل المظلوم، بل هي "عماد القضية" وركيزتها الثقافية: حارسة "اللغة الأُم": يسرد اليوسف دور المرأة كحامية للغة الكردية في مواجهة محاولات المحو. هي التي تنقل "الأمثال" و"الحكايات" والأغاني (اللاوجي) للأجيال، وبذلك تكون هي التي تخوض معركة "البقاء الوجودي" في صمت. الضحية التي لا تنكسر: في "شنكالنامه"، تتحول المرأة الإيزيدية من "مسبية" (في منظور القاتل) إلى "أيقونة طهارة" وصرخة أخلاقية توقظ العالم. اليوسف يصور قوتها الروحية المستمدة من الأرض والجبل، مانحاً القضية بعداً اجتماعياً يتجاوز الشعارات العسكرية، ليجعل منها قضية "كرامة إنسانية" تجسدها الأنثى في أبهى صور الصمود والجمال. 4. أنسنة الوجع: الضحك المرّ كآلية دفاع يوظف اليوسف "السخرية السوداء" على لسان أبطاله؛ فالكردي عنده يسخر من واقعه ومن ازدواجية معايير العالم. هذا "التهكم" هو قمة الأنسنة؛ لأنه يظهر الشخصية الكردية كشخصية "ذكية" ومراقبة، تمتلك القدرة على نقد ذاتها ونقد العالم، وليست مجرد مادة خام للمظلومية. ثاثا:. القضية والمنفى (سيكولوجيا الشتات) في أدب المنفى، تتحول القضية الكردية عند اليوسف إلى سؤال حول "الهوية والاغتراب": البرزخ الروحي: يصور الكردي في أوروبا ككائن يعيش في "برزخ"؛ جسده في الأمان الغربي وروحه معلقة في الجغرافيا الجريحة. القضية هنا تصبح صراعاً ضد "الذوبان" الثقافي وضد "صقيع" المنافي الذي يحاول محو الذاكرة. إبرة الذهب: يوظف اليوسف هذه التقنية لرتق المسافة بين المنفى والوطن، محاولاً جعل القضية الكردية جزءاً من "الوجع العالمي" لكل المهجرين والمقتلعين من جذورهم. تنتقل القضية الكردية في أدب إبراهيم اليوسف من "جغرافيا الأرض" إلى "جغرافيا الروح" بمجرد عبور الحدود نحو المنافي الأوروبية. في هذه المرحلة، لا يعود الصراع مجرد مواجهة مع نظام استبدادي، بل يتحول إلى صراع سيكولوجي وجودي ضد "العدمية الثقافية" و"النسيان". المنفى عند اليوسف ليس ملاذاً، بل هو "مختبر" لقياس صلابة الهوية. 1. "البرزخ الروحي": الكائن المشطور بين زمنين يصيغ اليوسف مفهوم "البرزخ" ليعبر عن حالة التيه التي يعيشها الكردي في أوروبا. هو ليس في الجنة (رغم الرفاهية والأمان) وليس في الجحيم (رغم الحرب التي غادرها)، بل هو في منطقة وسطى خانقة: الأمان مقابل الاغتراب: يسرد اليوسف في روايته "جمهورية الكلب" مفارقة قاسية؛ الجسد ينعم بالدفء الفيزيائي والحماية القانونية، لكن الروح تظل "لاجئة" في أزقة القامشلي وشنكال. هذا الانشطار يخلق نوعاً من "الغربة المزدوجة"؛ فالمكان الجديد (ألمانيا مثلاً) لا يقرأ لغة أحلامه، والمكان القديم يتفتت بعيداً عنه. مقاومة "الصقيع الوجداني": يرمز "الصقيع" في أدب اليوسف ليس فقط لبرودة الجو في أوروبا، بل لبرودة العلاقات المادية وجفاف الميثولوجيا. القضية الكردية هنا تتحول إلى "معركة ذاكرة"؛ حيث يصبح تذكر "رائحة التنور" أو "غبار الشوارع الطينية" فعلاً نضالياً ضد الذوبان في نمط الحياة الغربي الاستهلاكي الذي يمحو الخصوصيات الثقافية. 2. تقنية "إبرة الذهب": رتق الشتات بالوجع الكوني يستخدم اليوسف استعارته المركزية "إبرة الذهب" ليعيد رتق ما مزقه المنفى، محولاً القضية من شأن محلي إلى صرخة عالمية: تجاوز "الأنا" القومية: في أدبه الاغترابي، لا يبكي اليوسف على الكردي وحده. هو يستخدم "إبرة الذهب" ليخيط وجع الكردي بوجع السوري، والأرمني، وحتى اللاجئ الأفريقي. القضية الكردية هنا تصبح "المعادل الموضوعي" لكل مقتلع من جذوره. بهذا الرتق، يمنح اليوسف القضية صبغة "عالمية"، جاعلاً من "المنفى" فضاءً للتضامن الإنساني الواسع. النص كجسر (الوصل): تعمل الكتابة عند اليوسف كأداة لـ "الوصل"؛ فهو يرتق المسافة بين برلين والقامشلي. عندما يكتب، فإنه يمارس فعل "العودة الرمزية". إبرة الذهب هي القلم الذي يرفض أن تظل المسافات مقطوعة، فيجلب "الجبل" إلى "الرصيف الأوروبي"، ويجعل من "الخيمة" نداً لـ "ناطحة السحاب". 3. سيكولوجيا "الذاكرة النشطة" ضد "الاستلاب" يبرز في سرده الصراع مع "الزمن الغريب": في المنفى، يتوقف الزمن عند لحظة الرحيل. يسرد اليوسف كيف يحاول المنفي الكردي "تجميد" صورته عن الوطن لئلا تتشوه. هذا التشبث بالذاكرة هو آلية دفاع سيكولوجية ضد "الاستلاب الثقافي". القضية في المنفى تصبح "ثقافية" بامتياز؛ إنها الدفاع عن الحق في البقاء "كردياً" في عالم يحاول تحويل الجميع إلى أرقام متشابهة في سجلات اللجوء. رابعا:. البُعد الثقافي واللغوي (المثقف الجسر) يمثل اليوسف نموذج "المثقف الجسر" الذي يخدم القضية عبر اللغة العربية: اللغة كوطن: يكتب اليوسف بالعربية ليبني جسوراً مع الآخر (العربي والعالمي)، محولاً الأدب إلى "رسالة دبلوماسية" تشرح عدالة القضية الكردية بأسلوب جمالي بعيد عن الخطابة الفجة. المثقف العضوي: يتقاطع أدبه مع سيرته كـ "رسول للممالك"، يطوف العالم حاملاً قضية شعبه، محولاً الأنين الشخصي إلى نص إبداعي عابر للحدود والقوميات. في أدب إبراهيم اليوسف، تتجاوز اللغة وظيفتها التواصلية لتصبح "استراتيجية وجودية". هو لا يستخدم العربية كمجرد وعاء للمعنى، بل كفضاء دبلوماسي وثقافي يهدف من خلاله إلى فك العزلة عن القضية الكردية. اليوسف يجسد دور "المثقف الجسر" الذي يرفض الانكفاء على الذات، مؤمناً بأن عدالة القضية تحتاج إلى لغة "الآخر" لتصل إلى ضمير العالم. 1. اللغة كـ "وطن موازي" وجسر دبلوماسي يرى اليوسف أن اللغة العربية هي الفضاء الأرحب الذي يسمح للقضية الكردية بالخروج من "الغيتو" الثقافي: تجاوز الخطابة الفجة: يبتعد اليوسف عن لغة الشعارات والمباشرة السياسية التي غالباً ما تُنفر القارئ. بدلاً من ذلك، يسرد القضية بأسلوب "جمالي ناعم"؛ حيث تتحول المظلومية إلى نص أدبي رفيع. هو يدرك أن "الجمال" هو أقصر الطرق للإقناع، وأن الأدب عندما يرتفي فنياً، فإنه يشرح عدالة القضية بذكاء "دبلوماسي" يفوق مئات الخطب السياسية. بناء الجسور مع الآخر: الكتابة بالعربية عند اليوسف هي فعل "انفتاح لا استلاب". هو يريد للقارئ العربي أن يرى في الكردي شريكاً في الوجع والمصير، وليس خصماً أو "آخر" مجهولاً. اللغة هنا تعمل كـ "ممحاة للمسافة" النفسية والسياسية بين القوميتين، محولةً اللغة العربية إلى "وطن" يتسع للجميع. 2. المثقف العضوي و"رسول الممالك" يتقاطع أدب اليوسف مع سيرته الشخصية بوصفه مثقفاً فاعلاً لا يكتفي بالتنظير خلف الطاولات: تسييس الأنين الشخصي: يمتلك اليوسف قدرة فذة على تحويل "الأنين الفردي" (ألم التهجير، فقدان الأصدقاء، الغربة) إلى "نص كوني". هو لا يتباكى، بل "يُبدع" الألم، جاعلاً من تجربته الشخصية عينة ممثلة لوجع شعب كامل. هذا التحويل هو جوهر "المثقف العضوي" الذي يعيش قضيته بكل جوارحه ويحولها إلى مادة إبداعية عابرة للحدود. رسول الممالك الجريحة: يطوف اليوسف في نصوصه (وفي نشاطه الثقافي) بين الممالك الإنسانية، حاملاً "إبرة الذهب" ليرتق بها ما مزقته السياسة. هو "رسول" لا يحمل رسائل أيديولوجية جامدة، بل يحمل "رسالة جمالية" تؤكد أن الثقافة هي الأداة الوحيدة القادرة على ترميم هوية الإنسان المقتلع. أدبه عابر للقوميات لأنه يركز على "الجوهر الإنساني" المشترك، مما يجعل القصيدة أو الرواية الكردية التي يكتبها مقروءة ومؤثرة لدى القارئ في كل مكان. 3. اللغة كأداة لـ "تأثيل الهوية" بالرغم من كتابته بالعربية، يظل اليوسف "حارساً" للروح الكردية داخل النص: هو يمارس ما يمكن تسميته بـ "تكريد اللغة"؛ أي ضخ الروح والميثولوجيا والرموز الكردية داخل الجملة العربية، مما يمنح نصوصه نكهة خاصة وفريدة. هذا التوظيف اللغوي يخدم القضية عبر "التعريف الثقافي"؛ فالقارئ يتعرف على "نوروز"، و"كاوا"، و"شنكال" من خلال نص عربي بليغ، مما يرسخ هذه المفردات في الذاكرة الثقافية العربية والعالمية كجزء من التراث الإنساني العام. خلاصة: القضية الكردية عند إبراهيم اليوسف ليست "موضوعاً" للكتابة، بل هي "قدَر الكتابة" ذاته. لقد نجح في تحويل المعاناة المحلية إلى ملحمة إنسانية، مؤكداً أن الدفاع عن حقوق الكرد هو دفاع عن جوهر الكرامة البشرية في كل مكان المراجع: اليوسف، إبراهيم. شنكالنامه، دار أوراق للنشر، القاهرة، 2018. اليوسف، إبراهيم. جمهورية الكلب، دار خطوط وظلال، عمان، 2020. اليوسف، إبراهيم. ممحاة المسافة، دار أوراق للنشر، القاهرة، 2016. اليوسف، إبراهيم. إبرة الذهب (دراسات نقدية)، منشورات الحوار المتمدن، 2021. اليوسف، إبراهيم. آلة الاستبداد ولذة المواجهة (مقالات)، 2017. هبون، ريبر. "تمثلات الهوية والقضية الكردية في أدب إبراهيم اليوسف"، دراسة نقدية، مجلة مواسم الثقافية، 2022. الناشف، ثائر. "سوسيولوجيا المظلومية في الرواية السورية المعاصرة"، دار ضفاف، 2023. .
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إبراهيم اليوسف: أدب المواجهة من -تل أفندي- إلى -ألمانيا-
-
فلسفة الأمكنة عند إبراهيم اليوسف: من بيوت الطين إلى برزخ الم
...
-
الميثولوجيا كدرع للذاكرة: توظيف الأسطورة في أدب إبراهيم اليو
...
-
شعرية الرمز ودلالات العبور: توظيف الرمز في أدب إبراهيم اليوس
...
-
الشخصية الكردية عند إبراهيم اليوسف: بين مطرقة المحو وسندان ا
...
-
العبودية والحرية في أدب إبراهيم اليوسف(2-2)
-
العبودية والحرية في أدب إبراهيم اليوسف(1-2)
-
أصالة الذاكرة ومعاصرة النص.. توظيف التراث في أدب إبراهيم الي
...
-
مفردات البيئة في أدب إبراهيم اليوسف
-
سردية القهر والمقاومة بالكلمة: قراءة في أدب إبراهيم اليوسف
-
المرأة في أدب إبراهيم اليوسف: من قداسة الرمز إلى مأساة الواق
...
-
شهادة معلمي الكلية الألمانية في حلب –الإبادة الأرمنية 1915
-
من شهادات الإبادة الجماعية للأرمن في الأرشيف الألماني
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915- 3
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915-4
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
كيف أنقذ علمٌ أربعة آلاف أرمني: رواية القس ديكران أندرياسيان
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
المزيد.....
-
-مدينة من ورق-.. مكتبة في نيويورك تضم 3.5 ملايين صفحة من ملف
...
-
فنانة أمريكية تواجه بلوحاتها إقصاء الأمريكيين السود
-
6 شهداء و4 جرحى جراء غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية جنوب ل
...
-
تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات -جيرالد فورد-: دمار واس
...
-
تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: -حنظلة- تزعم اغتيال ضابط
...
-
بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25
...
-
السينما الفلسطينية في شيفيلد.. مشاريع جديدة وأفلام تنافس على
...
-
الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د
...
-
بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس
...
-
لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|