أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - خلل بسيط في الفهم














المزيد.....

خلل بسيط في الفهم


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 20:06
المحور: الادب والفن
    


لم يكن البحر المتوسط في صباح الرحلة سوى مسطح رمادي... يفتح عينيه قليلا ثم يغمضهما. من طنجة إلى برشلونة، بدت الغيوم أكثر حضورا من الماء... وكأن البحر تراجع خطوة وترك اسمه في مكانه.
في الطائرة، كانت المرأة تمسد ما تبقى من شعره دون انتباه... كأن الجسد يذكرها بأنه ليس فكرة. والرجل ينزع نظارته... يمسحها... يعيدها... رغم أنها لا تحتاج ذلك. كان كل واحد منهما يصحح شيئا غير مرئي.
قالت:
- أحيانا أشعر أن حياتي تحدث لشخص آخر...
لم يلتفت.
في المقعد الأمامي، كان طفل يضغط جبهته على الزجاج كلما انفتح شق في الغيوم... كأنه يبحث عن دليل على أن البحر ما زال موجودا.
عند الهبوط، ظهرت برشلونة كشبكة دقيقة من الخطوط المستقيمة: شوارع محسوبة، خضرة موزعة، مبان متشابهة إلى حد يربك الحدس. لم يكن نزولا بقدر ما كان انتقالا إلى نظام لا يسمح بالارتباك إلا إذا كان منظما.
في المطار، اختلطت رائحة القهوة بالمطهرات. وجوه تعمل أكثر مما تعيش. كل شيء يعرف اتجاهه مسبقا.
قالت وهي تراقب الخارج:
- انظر... حتى الأشجار تبدو وكأن أحدا فكر فيها قبل أن تنمو.
لم يجب.
في الطريق إلى المدينة، كانت تفتح هاتفها بحثا عن مركز تجاري كبير. كان ذلك شكل طمأنينتها. أما هو فكان يتابع رجلا مسنا عند آلة التذاكر، أمامه كوب قهوة فارغ... كأنه نسي وقته هناك.
في المترو إلى ساغرادا فاميليا، كان الضوء الأبيض يمر على الوجوه دون أن يحتفظ بأحد. الأنفاق تنزلق خارج النوافذ مثل طبقات صمت متراكمة.
جلست إلى جانبه دون أن تنظر إليه.
ولم يحدث شيء في البداية... سوى ذلك الانزلاق البطيء للوقت.
أمام ساغرادا فاميليا ارتفعت الكتلة الحجرية كشيء لم يكتمل بعد، لكنه رفض أن يتراجع. السماء فوقها بدت أقرب من المعتاد، والناس يتحركون حولها كما لو أنهم يدورون حول سؤال قديم.
وقفا معا.
كانت ترفع رأسها إلى الأعلى، بينما كان هو يراقب الوجوه.
قالت:
- يبدو أن كل شيء هنا مبني ليرى من الأسفل فقط...
لم يجب.
بقيت ساغرادا فاميليا هناك، لا تشرح نفسها لأحد.
في اليوم نفسه، كانت تنتقل بين المتاجر كمن يعيد ترتيب العالم، وهو يقف عند الأبواب ثم يتراجع خطوة إلى الخارج.
توقفت أمام واجهة زجاجية ضخمة قرب ساحة كتالونيا.
- خمس دقائق.
دخلت.
ظل يدخن خارجا.
بعد نصف ساعة كان يتابع عازف غيتار نحيفا يضع قبعة سوداء على الأرض. كان العزف يمضي وحده، والناس يمرون فوقه كالماء.
عندما عادت قالت:
- هل بقيت هنا كل هذا الوقت؟
أشار إلى العازف.
- لا أعرف متى بدأ.
-لا أفهم كيف تستطيع الوقوف هكذا.
ابتسم.
- وأنا لا أفهم كيف يمكن أن يختفي الوقت داخل متجر.
ضحكت للمرة الأولى.
وفي طريقهما نحو الرامبلا مرا بواجهة متجر ألعاب قديم. توقفت فجأة.
في الداخل، كانت دمية قماشية صغيرة معلقة قرب الباب.
ظلت تنظر إليها أكثر مما ينبغي.
سألها:
- هل أعجبتك؟
هزت رأسها.
ثم قالت بعد لحظة:
- كانت عند أختي واحدة تشبهها تماما.
وسكتت.
لم يسأل أي أخت تقصد.
ولم تشرح هي شيئا.
لكنها بقيت واقفة قليلا، كأن شيئا لم يغادر الواجهة معها بالكامل.
في الرامبلا، كانت امرأة عجوز تنثر الخبز للحمام، فيتحول الرصيف إلى حركة بيضاء كثيفة. رجل ببدلة رسمية يجلس لحظة ويخفي وجهه بين كفيه، ثم ينهض كأن شيئا لم يحدث.
قالت:
- الناس هنا لطفاء.
قال:
- لأنهم لا يملكون ما يكفي من المعرفة ببعضهم ليؤذوا بعضهم.
- وماذا في ذلك؟
- في بلادنا نعرف بعضنا أكثر مما ينبغي.
لم تجب.
في أحد المراكز التجارية الكبيرة، كانت تتحرك بين الممرات ببطء غير معتاد.
توقفت أمام محل لملابس الأطفال.
خلف الزجاج، كانت امرأة تمسك يد طفلة صغيرة وتعدل لها سترتها قبل أن تتركها تمشي خطوات قليلة ثم تستعيدها.
ظلت تراقبهما.
ثم قالت دون أن تنظر إليه:
- كانت أختي تفعل ذلك.
لم يسأل.
ولم تكمل.
واستمرت في السير.
أما هو فجلس قرب نافذة داخلية يراقب رجلا غريبا يأكل وحده أمام أطباق تكفي لشخصين.
في المساء، قرب قوس النصر، كانت الحديقة تعمل بصمت: عداؤون، أطفال، كلاب تشد أصحابها، وأشخاص يمشون كأنهم يعرفون مسبقا إلى أين سيصلون.
قالت:
- الأوروبيون فهموا شيئا لم نفهمه... أن الجمال اليومي يكفي ليبقي الإنسان متوازنا.
نظر إلى الحانة المقابلة.
- أو أنهم تعلموا كيف يخفون وحدتهم جيدا.
ظلت تنظر إلى المارة.
هذه المرة لم تعترض.
في الفندق، كانت الغرفة مرتبة إلى حد يثير الشك.
جلست على طرف السرير.
- هنا يمكن أن تعيش دون أن تقاتل طوال الوقت.
أدار رأسه نحو النافذة.
- ربما.
ثم ساد الصمت.
خارج الغرفة كانت المدينة تواصل انتظامها. وفي الداخل جلسا جنبا إلى جنب، قريبين بما يكفي لتبادل زجاجة ماء، وبعيدين بما يكفي ليحتفظ كل منهما بعالمه كاملا.
في صباح العودة، أقلعت الطائرات كأنها أفكار منفصلة لا تلتقي.
أعطاها زجاجة ماء.
تناوبا عليها دون كلام.
قالت:
- هل سنعود إلى هنا؟
نظر إلى انعكاس وجهيهما على الزجاج.
- لا أعرف.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
- ربما.
اختفت برشلونة تحت الغيوم نفسها التي أخفت البحر في البداية.
في الطائرة، كان الضوء أهدأ من ذي قبل.
غنت دون أن تنظر إليه، بصوت بدا وكأنه يخرج من مكان أبعد من المقعد المجاور:
"أروح لمين... يا مين ينصفني منك..."
"ما هو انت فرحي وانت جرحي..."
"... وكله منك."
لم يلتفت.
كان ينظر إلى الغيوم التي تمحو المدن كما لو أنها لم تكن.
وفي تلك اللحظة، بدا أن الصوت لا يأتي منها وحدها...بل من المسافة نفسها بينهما.
كانت الرحلة مجرد خلل بسيط في الفهم، يسمح لهما بالاستمرار دون أن يريا العالم بالطريقة نفسها.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقص الذي يكتب التاريخ بالندوب
- المشي خارج المعنى
- خرجت… لكن ليس بما يكفي
- الإبهام الذي عطل العالم
- ما لم يحدث
- الذين أنزلوا من الشاحنات
- طقس السبت
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام


المزيد.....




- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...
- موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا ...
- -ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر ...
- وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - خلل بسيط في الفهم