أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - يوم آخر















المزيد.....

يوم آخر


نبيل الخمليشي

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 20:49
المحور: الادب والفن
    


أستيقظ قبل الفجر. ليس لأنني من الأولياء، ولا لأن حلما ما قادني إلى موكب الأنبياء. يحدث الأمر ببساطة لأن النوم يمل مني أحيانا ويقرر أن يطردني من السرير.
أفتح عيني في العتمة. للحظة أشعر أن الغرفة تقلصت خلال الليل. اللحاف متروك فوق السرير ككتاب قديم أغلق على عجل. الهواء ثقيل قليلا، كأنه يحمل ذكرى شيء انتهى هنا منذ زمن ولم يغادر تماما.
أنهض ببطء. قلبي ينبض كأنه يعمل وحده، بلا تعليمات واضحة. أحاول أن أجد فكرة صغيرة أعلق عليها بداية اليوم، لكن الفكرة لا تأتي. الصمت يملأ المكان، صمت يسبق الفجر بدقائق قليلة، حين تبدو المدينة كأنها توقفت عن التفكير للحظة.
أنظر من النافذة. الشارع فارغ. المصابيح الصفراء معلقة فوق الإسفلت مثل عيون متعبة رفضت أن تنام. الظلال ممدودة على الأرصفة. حتى الكلاب توقفت عن النباح، كأنها بدورها فقدت الاهتمام بالعالم.
أشعل سيجارة. يرتفع الدخان ببطء، يدخل الرئتين ثم الرأس، ويترك القلب أبرد قليلا. أتذكر أن الصائمين لا يدخنون في هذا الوقت، لكن الفكرة تمر سريعا. لكل إنسان طريقته الخاصة في الخسارة. وأنا أخسر بهدوء، بخطوات صغيرة، أبطأ من معظم الناس، وأبطأ أحيانا من الوقت نفسه.
أبقى واقفا قرب النافذة. الضوء الرمادي يبدأ بالتسلل إلى الشارع. المدينة تتنفس مرة أخرى. من بعيد يصل صوت الماء في قنوات الصرف، خرير منتظم يشبه نبضا خفيا. الأشياء تستمر، حتى حين لا يبدو أن هناك سببا واضحا لاستمرارها.
أفتح التلفاز دون اهتمام حقيقي. الصور مألوفة أكثر مما ينبغي: حرب في المشرق، قصف يتكرر، بنايات تتداعى، وجوه تبحث عن مكان تذهب إليه. أضغط زر كتم الصوت. الحرب تبدو أكثر غرابة حين تحدث في صمت.
أشرب القهوة وأفكر في العمل. رسائل البريد الإلكتروني، ملفات تنتظر توقيعا، اجتماعات تتكاثر بلا سبب واضح. الرسائل العاجلة التي تفقد أهميتها بعد ساعات قليلة. نظام كامل من التفاصيل الصغيرة يبدو وكأنه صمم فقط ليملأ الوقت.
مع ارتفاع الشمس تبدأ المدينة بالحركة. تمر السيارات بسرعة. يفتح الباعة محلاتهم. المقاهي لم تستيقظ استثناء من صمتها القصير. يمتد روتين العمل مثل نهر طويل لا يرى أحد نهايته: مهام متكررة، مكالمات قصيرة، اجتماعات أطول مما ينبغي.
حين أعود إلى الشارع لاحقا أراقب الناس وأنا أمشي بينهم. كل واحد يحمل شيئا غير مرئي. الخطوات أبطأ مما تبدو، والوجوه أكثر تعبا مما تعترف به. الابتسامات قليلة، لكنها صادقة حين تظهر. هناك نوع من الصدق في التعب، صدق لا يحتاج إلى شرح.
أرى رجلا يمشي بحذاء ممزق. يبحث عن لقمة تسد رمقه بعد المغيب. يبدو كأنه يخوض معركة يومية مع المدينة ومع نفسه ومع الوقت الذي لا يتباطأ أبدا. غير بعيد عنه يتحدث آخرون عن الأسعار. الخبز يرتفع ثمنه، الزيت يرتفع، الغاز يرتفع. حتى الهواء يبدو أحيانا أغلى مما ينبغي. الغلاء ينتشر في الحياة مثل صدأ بطيء.
من زاوية الشارع يظهر موكب. جنازة تسير ببطء شديد، كأن النعش لا يحمل على الأكتاف بل على تعب الأرض نفسها. للحظة يبدو المشهد مترددا، كأن الأرض تفكر قبل أن تستقبل جسدا آخر.
لا بكاء مرتفع. لا صلاة واضحة. فقط وقع خطوات منتظم على الرصيف، وحزن خفيف يرتفع في الهواء مثل دخان لا يراه أحد بوضوح.
يتوقف الناس قليلا على أطراف الطريق. يراقبون بصمت. نظرات طويلة بلا معنى محدد، كأن كل واحد منهم يحاول أن يتذكر موته قبل أن يحدث.
ثم ينكسر الصمت فجأة.
من نافذة مطلة على الشارع تنطلق زغرودة حادة ومضيئة. قابلة تعلن أن طفلا جديدا وصل إلى العائلة. في اللحظة نفسها التي تعبر فيها الجنازة الشارع، تفتح الحياة بابا آخر في مكان قريب، وتوازن الأمر ببساطة غريبة، دون اعتذار.
عند منعرج الشارع، في الساحة المقابلة، يتجمع حشد صغير. لافتات كتبت على عجل. كلمات متعثرة ضد الحرب، ضد الغلاء، ضد ذلك العبث الذي يبتلع الأيام دون أن يترك لها معنى واضح. الوجوه متعبة. العيون خائفة لكنها عنيدة. الأصوات ترتفع في الهواء، تهتف بشيء لا يبدو أن أحدا يسمعه.
في زاوية قريبة يقف مشرد قرب مستشفى الأمراض العقلية. يبدو كأنه خرج لتوه من مكان منسي في المدينة. يرفع رأسه فجأة ويصرخ بصوت ضعيف لكنه مرتجف: لم أطلب أن آتي إلى هذا العالم.
يبتلع الهواء صوته سريعا. يلتفت بعض المارة نحوه لثوان قليلة ثم يواصلون السير. الضجيج يعود كما كان. لكن الجملة تبقى معلقة في الهواء، مثل فكرة ثقيلة لا تجد مكانا تسقط فيه.
أحيانا تقتحم الذاكرة صور أخرى. خيام منصوبة في العراء. عائلات تنام تحت السماء لأن الأرض اهتزت مرة واحدة فقط لكنها كسرت كل شيء. برد الليل هناك قاس. أصوات الأطفال تبحث عن دفء لا يكفي للجميع.
أتذكر أيضا مدن وقرى في الشمال حين ابتلع المطر الطرقات والسيارات وبعض الأحلام الصغيرة التي كانت تحاول فقط أن تعود إلى البيت.
وأتذكر تلك الأيام حين صار الهواء نفسه مشبوها، وصار الناس يخافون من التنفس. مقابض الأبواب جمر. وجوه نصفها كمامات ونصفها شك. العالم كله في حجر صحي طويل، كأن البشرية ارتكبت خطأ فادحا ثم اختارت الصمت.
تمر هذه الصور بسرعة. الكوارث هنا تمر بسرعة. واحدة تزيح الأخرى فقط.
ثم يأتي الأذان ببساطة. بلا دراما. بلا معجزات. مجرد صوت يرتفع في الهواء ويقول للجميع بهدوء عادي: حسنا. لقد تحملتم يوما آخر.
يشرب الناس الماء كما يشرب رجل خرج للتو من الصحراء. ببطء. بامتنان خفي. كأن الجسد كله يتذكر فجأة أن الحياة ما زالت ممكنة.
في الشارع تبدو الحياة عادية على نحو يثير الدهشة. الماء بارد. الحريرة تبرد على الطاولات. الناس يأكلون بصمت. الأطفال يركضون بين الأزقة. الأمهات ينادين عليهم من النوافذ. الضحكات تظهر فجأة ثم تختفي.
الأيام تتشابه أكثر مما ينبغي. المشاهد نفسها، الروائح نفسها، الأشخاص أنفسهم تقريبا. تمر الكوارث مثل مواسم عابرة، ثم يعود كل شيء إلى مكانه، كأن التعب جزء ثابت من ترتيب العالم.
أحيانا أفكر أن كل شيء قد ينهار فجأة. لكن الغريب أن الأشياء لا تنهار كما نتوقع. يستمر اليوم في شكله المعتاد: الشوارع نفسها، الماء نفسه، الحريرة نفسها، الضحكات نفسها، الصمت نفسه.
حين يعود الجوع أبحث عن أشياء بسيطة. خبز. شاي. ربما قطعة جبن. الأشياء الصغيرة تكفي في الغالب.
أجلس قليلا. أراقب الناس. أكتب سطورا متفرقة. أفكر بلا نتيجة واضحة. أبحث عن سبب بسيط للضحك، أو سبب بسيط للاستمرار.
مع المساء يهدأ كل شيء تدريجيا. الشوارع تصبح أكثر سكونا. الأضواء تنعكس على الأرصفة الرطبة. بعض الناس يمشون بلا هدف واضح، كأنهم يمددون اليوم قليلا قبل أن ينتهي.
أحيانا أضحك بلا سبب. أحيانا أشعر برغبة غامضة في البكاء. لا يحدث شيء استثنائي، ومع ذلك يبدو أن شيئا ما يحدث دائما في الداخل.
قبل النوم أفكر في بساطة الأمر كله.
الحياة ليست خطة كبيرة كما نتصور.
إنها فقط سلسلة من أيام صغيرة متشابهة.
نستيقظ.
نمشي قليلا.
نأكل.
نعمل.
نشاهد الحروب على شاشات بعيدة.
ونكرر الأشياء نفسها مرة أخرى.
ومع ذلك، رغم كل شيء، نستمر.
تمر الكوارث.
ترتفع الأسعار.
تهتز الأرض في مكان ما.
لكن في الصباح التالي يستيقظ الناس مرة أخرى ويمشون في الشوارع نفسها.
ربما هذا هو الانتصار الوحيد الممكن:
أن نستمر، ببساطة،
في العيش يوما آخر.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب
- مرثية ساعي البريد
- مقهى الغبار
- نخب الغياب
- هشيم الزمن
- ملامح الغائب
- أمام البحر، وحيدا
- الى رفيقي الطاهر
- قصيدتك


المزيد.....




- صراع الروايات في بحر العرب: طهران تعلن استهداف -أبراهام لينك ...
- الكويت.. الداخلية تعلن منع الأعراس والحفلات والمسرحيات خلال ...
- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- سينما -الأجنحة الصغيرة- في غزة: شاشة من ضوء تهزم عتمة الحرب ...
- لندن تعزف أجمل أنغامها: احتفال الجمعية الملكية للموسيقى 2026 ...
- على سرج غيمة
- قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواج ...
- لماذا عاد شعراء غزة للكتابة عن الحرب والجوع؟ السر في الخيام ...
- تشديد الإجراءات الأمنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد مزاع ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - يوم آخر