أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الذين أنزلوا من الشاحنات















المزيد.....

الذين أنزلوا من الشاحنات


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 09:09
المحور: الادب والفن
    


تستيقظ تريستيس ببطء، لا لأنها متعبة، بل لأنها لا تثق في الصباح. الصباح هنا ليس بداية، بل ادعاء متكرر بأن شيئا ما يمكن أن يبدأ من جديد، رغم أن كل شيء قد بدأ وانتهى من قبل، مرات لا تحصى، دون أن يتعلم أحد شيئا. مبانيها لا ترتفع، بل تنحني قليلا، كأنها تراجعت عن فكرة الوقوف، وتختفي بين الجبال كما لو أن الاستقامة شكل بدائي من أشكال الكذب.
النوافذ ليست زجاجا، بل عيون تعبت من الحكم، واكتفت بالرؤية. ترى كل شيء، لكنها لم تعد تمنح أي شيء حق المعنى. الأرصفة لا تنسى؛ كل خطوة مرت فوقها لم تختف، بل استقرت، طبقة فوق طبقة، حتى صار المشي عبورا فوق تراكم غير مرئي من آثار لم تجد من يعترف بها. هنا، لا يمحى الماضي… بل يترك ليتخمر.
رائحة الخبز لا تأتي لتطمئن، بل لتذكر أن الحياة لا تحتاج إلى معنى لتستمر، وأن المعنى لم يكن يوما شرطا… بل حيلة متأخرة. الماء الراكد لا يعكس الوجوه، بل يعيد ترتيبها، كأن كل من ينظر إليه يعاد تقديمه إلى نفسه، لا كما هو، بل كما يمكن احتماله.
في تريستيس، لا تنبت الأشياء مصادفة. تلك العشبة-المترددة بين الخضرة والعتمة-لا تظهر فقط بين شقوق الحجارة، بل في الشقوق التي لا ترى: في الجدران التي تتنفس بصمت، في الأرصفة التي تحفظ خطى لا تعود، وفي الهواء نفسه حين يثقل دون سبب واضح. تنبت عنوة، دائما عنوة، كأن الأرض لا توافق عليها لكنها تعجز عن رفضها.
ملونة بلعنة تشبه النعمة، تمتد ببطء، لا في التراب فقط، بل في الأشياء… في الإيقاع… في القرارات الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. كانوا يظنونها نباتا، لكن المدينة كانت تعرف. كلما ظهرت، تغير شيء لا يرى مباشرة: يتأخر الصباح قليلا، تتلعثم الأسماء على الألسنة، وتصبح الطرق أطول مما ينبغي، كأنها تفكر قبل أن تصل.
ليست العشبة ما ينمو في المدينة، بل المدينة هي ما ينمو فيها. هي التي تقرر من يبقى عالقا في منتصف فكرة، من ينسى طريقه وهو فيه، ومن ينزل… دون أن يعرف لماذا. ليست أقوى من العالم، لكن العالم لم يكن قادرا على قتلها دون أن ينكسر شيء فيه.
في تريستيس، الضوء لا يسقط مستقيما. يتسلل من زوايا مريبة، كاتهام بلا قاض، ويختلط بالظل حتى يفقد اسمه. لا شيء هنا يرى كاملا، لأن الاكتمال ليس حقيقة… بل صيغة مريحة للكذب. الهواء ليس عنصرا، بل ذاكرة، محملة بصوت الريح وهي تحتك بأسطح عاشت أكثر مما ينبغي، وبرائحة خلاصة نباتات لزجة، حلوة على نحو مريب، تأتي من السفوح البعيدة… حيث لا تنمو الأشياء، بل تتكون ببطء، كأفكار قررت أن تتجسد.
وأحيانا، حين يثقل الهواء أكثر من المعتاد، يعرف القليلون أن العشبة قد تمددت مرة أخرى، ليس في الأرض، بل في ما يمكن أن يحدث.
في الليل، حين تتعب الحقيقة من ادعاء وضوحها، يبدأ ما لا يسمى. عند أطراف الطرق، تصل الشاحنات. لا ضجيج يذكر، فقط هدير منخفض، كأن الطريق نفسه يتنفس بثقل. تفتح الأبواب ببطء، لا خوفا مما في الداخل، بل احتراما له.
ينزل رجال بهدوء محسوب. وجوههم ساكنة، لا لأنها مطمئنة، بل لأنها تجاوزت الحاجة إلى الطمأنينة. لا ينظرون حولهم كثيرا، ليس لأن المكان غريب، بل لأنه ليس غريبا بما يكفي. يمشون نحو الأزقة كما لو أنهم لا يبحثون عن طريق… بل يستجيبون له.
خطواتهم خفيفة، لكنها تترك أثرا أثقل من أي ضجيج، كأن المدينة لا تستقبلهم، بل تستعيدهم. كأنهم لم يصلوا، بل عادوا من مكان فشل العالم في تحمله… فأعادهم في هيئة يمكن إنكارها.
وقبل الفجر، تختفي الشاحنات. لا ترحل، بل تمحى، تاركة خلفها كثافة غير مرئية. هذه هي القاعدة: تأتي، تفرغ، تختفي. لكن في ليال نادرة، يحدث انحراف بسيط: تظهر حافلة. تمر ببطء زائد، كأنها تعتذر عن وضوحها، وتتوقف لحظة أطول مما ينبغي، كأن الزمن نفسه تردد.
ينزل منها ركاب أكثر هدوءا… أو أكثر إرهاقا مما يمكن للعالم أن يعترف به. لا أحد يسأل عنهم، لأن السؤال هنا ليس بحثا عن إجابة… بل بداية تورط. وفي تلك الليالي، يقول البعض إن العشبة لا تظهر… بل تراقب.
مع الصباح، لا يتغير شيء، وهذا هو التغيير الوحيد الممكن. الشوارع تبدو أضيق قليلا، لا لأن الحجارة اقتربت، بل لأن الفراغ نفسه لم يعد يحتمل الاتساع. شيء ما أضيف، لا يرى، لكنه يضغط على المسافات.
في مقهى عند زاوية لا تثق في استقامتها، جلس رجلان. الأول يحدق في فنجان قهوته، يديره ببطء، كما لو أن الدائرة التي يرسمها محاولة لفهم ما لا يملك حدودا. الثاني ينظر إلى الخارج، لا ليرى، بل ليتأكد أن ما رآه سابقا لم يكن كافيا.
قال الأول، بصوت لا يريد أن يسمع:
هل رأيتها؟
أجاب الثاني، بعد صمت لم يكن فراغا:
الجميع يراها… لكن ليس في الوقت نفسه.
ومن هؤلاء؟
ابتسم، لا لأن السؤال بسيط، بل لأنه لم يعد ممكنا. قال:
ليسوا ما تبقى… بل ما فشل العالم في تحويله إلى كذبة.
سكت قليلا، ثم أضاف:
كل مدينة تتخلص من حقيقتها بطريقة ما… هذه فقط تحتفظ بها.
في الخارج، قرب حافة الرصيف، كانت عشبة صغيرة تشق طريقها بين حجرين، كما لو أن الحديث كله لم يكن إلا نتيجة لها.
تريستيس لا تكبر… بل تمتلئ. تمتلئ بما لا يمكن استعماله، بما لا يمكن تفسيره، بما لا يمكن إعادته إلى النظام دون أن ينكسر النظام نفسه. هنا، يصبح الأكثر هدوءا هو الأكثر تماسكا، وكأن الجنون لم يكن فيهم… بل في كل ما أصر على أن يكون طبيعيا.
في الليل، تعود الشاحنات. دائما الشاحنات، الإيقاع الذي لا يخطئ. أما الحافلة… فمجرد استثناء غامض، ربما لتذكير العالم بأن الخطأ لم يمح تماما.
وفي الصباح، لا يعترف أحد. ليس لأنهم يكذبون… بل لأن الاعتراف هنا شكل أكثر دقة من الاختفاء.
تريستيس ليست مدينة تفهم، وليست مكانا يقصد. إنها نقطة تسليم خفية، حيث تلقى الأشياء التي لم يعد للعالم قدرة على تعريفها: الجنون الذي لم يروض، الحلم الذي تجاوز حجمه، الوعي الذي تأخر قليلا فصار غير قابل للاستعمال، والبراءة التي فسدت ببطء كاف لتبقى حية.
هنا، لا يشفى الجنون… بل يترك ليأخذ شكله الكامل.
وفي لحظة متأخرة جدا،
حين يصبح كل شيء واضحا أكثر مما ينبغي،
لا تفهم… بل تتوقف عن المقاومة.
تدرك، دون حاجة إلى فكرة:
أنك لم تأت إلى هنا يوما.
لم تختر الطريق،
ولم تضله.
بل، في لحظة نادرة من الصدق،
سقط عنك ما كان يجعلك قابلا للاستعمال في العالم الآخر.
فتم نقلك، بهدوء تام،
دون احتجاج،
دون وداع،
مع آخرين يشبهونك أكثر مما ينبغي،
في شاحنة لا تتذكر متى صعدت إليها…
ولا من كان يقودها.
ومنذ ذلك الحين،
وأنت لا تحاول الهرب،
بل تحاول فقط أن تتذكر خطأ واحدا:
هل كنت هناك حقا…
أم أن ”هناك“
هو الشيء الوحيد
الذي لم يوجد أبدا؟
وفي تريستيس،
لا أحد يجيب.
لأن السؤال نفسه…
هو آخر ما تبقى منك.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طقس السبت
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب
- مرثية ساعي البريد
- مقهى الغبار


المزيد.....




- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الذين أنزلوا من الشاحنات