أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - طقس السبت














المزيد.....

طقس السبت


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 14:59
المحور: الادب والفن
    


المدينة القديمة في طنجة لم تكن نائمة. كل صباح سبت، حين يتسلل الضوء الأول بين الجدران العتيقة، تستعيد الأزقة إيقاعها البطيء، كأنها تصحو من نوم حجري طويل. رائحة الخبز الساخن تتسلل من المخبزة عند الزاوية، ممزوجة برطوبة البحر وملح الريح الصاعدة من الميناء، فيما ينكسر صوت الأذان على الجدران البيضاء ويذوب في هدير حافلة قديمة تشق الطريق نحو السوق.
صباح السبت هو طقسهم الوحيد، جولة قصيرة من باب القصبة إلى الساحة الصغيرة قرب المقهى، ثم عودة صامتة إلى البيت. ليس نزهة، بل محاولة بائسة لترميم ما تسرب من حياتهما منذ وفاة ابنهما قبل خمسة أعوام.
يسيران معا من دون كلام. صمتهما لم يعد صمت ألفة، بل صمت شخصين تعلما أن يسكنا الفراغ نفسه، متجنبين أي تداخل. منذ ذلك السبت البعيد في المستشفى، صار كل حديث بينهما وسيلة للبقاء فقط: الخبز، الفواتير، موعد الطبيب، زيارة الأم، ما يجب شراؤه من السوق. ما عدا ذلك، معلق في مكان لا تصل إليه اللغة.
عند زاوية المخبزة توقفت هي فجأة. شدت على كم معطفه وهمست: «أين الطفل؟» رفع رأسه. كان هناك دائما، كل صباح سبت، صبي صغير يركض أمام امرأة تلبس جلبابا رماديا، حقيبته المدرسية تتأرجح، يلتفت إلى أمه ثم يسبقها بخطوتين. ضحكته توقظ شيئا قديما لم يجرؤا على قوله. هذا السبت لم يكن هناك. فقط حقيبة مرمية قرب الرصيف وعلبة حليب فارغة. انحنت، لمست الحقيبة بأطراف أصابعها، ثم رفعت نظرها إلى الشارع. الناس يمرون كالمعتاد: رجل يحمل خبزتين، امرأة تجر طفلا نصف نائم، شاب بسماعات، عجوز يتكئ على عصاه. لا أحد يلاحظ.
قالت: «ألم يكن هنا السبت الماضي؟» أجاب بعد تردد: «كان هنا… أظن». شعر ببرودة تسللت إلى داخله، كأن السؤال كان عن كل ما اختفى بينهما.
في المقهى القريب، جلسا إلى الطاولة المعتادة قرب النافذة. التلفاز يعرض إعادة لمباراة الأمس، صوتها يرتفع كلما اقتربت الكرة من المرمى، رغم أن الجميع يعرف النتيجة مسبقا. على الطاولة المجاورة، ثلاثة رجال يكررون العبارات نفسها: إصلاح، أزمة، مؤامرة، أمل. الكلمات تدور كقطع نقدية مستعملة. النادل يملأ فناجين القهوة ويطوي المناشف بنفس الطريقة ككل سبت. الرجل نفسه يجلس على الطاولة ذاتها، يرفع فنجان القهوة في اللحظة نفسها. هذه المشاهد الصغيرة تعزز داخلهما إحساس السرب.
سألت المرأة النادل: «هل رأيت الطفل الذي يمر كل صباح سبت؟» توقف، كأن السؤال أربكه. «أي طفل؟» قالت: «الصغير… الذي يسبق أمه دائما». هز كتفيه ومضى. من خلف الجريدة قال رجل بصوت أجش: «بعض الناس يختفون حين يبطئون الخطى». التفت الزوجان إليه، لكنه عاد إلى جريدته كأن الجملة لم تصدر عنه.
حين عادا إلى البيت مساء، لم تستطع التخلص من صورة الحقيبة. قالت من النافذة: «أتعرف ما يخيفني؟ ليس أنه اختفى… بل أن أحدا لم يلاحظ». لم يجب. كان يفكر في ابنهما. في ذلك السبت قبل خمسة أعوام، حين خرج الطبيب من غرفة الإنعاش وأخبرهما أن كل شيء انتهى، الممر كان ممتلئا بالناس: ممرضات، زوار، عربات معدنية، أصوات هواتف، وضحكات بعيدة. العالم استمر كما لو أن موت طفل واحد لا يغير شيئا.
في السبت الذي تلاه، ظهر الصبي خلف النافذة المقابلة. واقفا ساكنا، لا يبتسم، لا يلوح، فقط نظر إليهما. همست: «إنه هو». اقترب الرجل من الزجاج، وفي اللحظة نفسها انطفأ الضوء. نزلا إلى الشارع، الليل مشبع برائحة الرطوبة والطحالب الصاعدة من الجدران القديمة. وصلا إلى العمارة المقابلة، صعدا الدرج الحجري، طرقا الباب. لا أحد أجاب. كانت النافذة مفتوحة، والستارة تتحرك مع الهواء. قرب الحذاء الصغير، ورقة مطوية. فتحها. بخط متعرج: «لماذا نمشي جميعا إلى المكان نفسه؟». ظل ممسكا بالورقة طويلا. قالت بعد صمت: «ربما لم يختف. ربما توقف فقط… والباقون واصلوا السير».
في صباح السبت التالي، عند الإشارة في الساحة الكبرى، اصطف الناس كعادتهم. سيارات الأجرة، الباعة، أصوات المنبهات، دخان الحافلات، نداء ماسح الأحذية، كلهم يتحركون في إيقاع متزامن. حين تحول الضوء إلى الأخضر، اندفع الجميع دفعة واحدة. هي لم تتحرك. نظر إليها. كان في عينيها خوف قديم، يشبه خوفها يوم المستشفى. قالت: «أتظن أننا نسير منذ ذلك السبت؟» فهم ما تعنيه. منذ موت ابنهما، لم يكونا يعيشان، بل يتحركان فقط، أسبوعا بعد أسبوع، لأن الجميع يتحرك.
مر الناس حولهما، اصطدمت بهم الأكتاف، صدرت نظرات مستنكرة، ثم انصرفوا. قالت: «أخاف». أجاب: «وأنا أيضا». «من ماذا؟» نظر إلى السرب المتدفق، ثم إلى النافذة البعيدة، وقال: «من أن نعود إلى السير». بقيا واقفين. لأول مرة منذ سنوات، لم يشعر أن الزمن يجره، بل شعر أن العالم كله يركض متأخرا نحو مكان لا يعرفه. وراء الزجاج البعيد، خلف النافذة الأخيرة، خيل إليه أنه رأى ظل الصبي. لم يعد بحاجة إلى اليقين. كان يكفيه أنه توقف.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب
- مرثية ساعي البريد
- مقهى الغبار
- نخب الغياب


المزيد.....




- رحيل المخرج مهدي أوميد أحد أبرز رواد السينما العراقية والكرد ...
- دليلك لاستخدام ليريا 3 برو.. النموذج الأكثر تقدما من غوغل لت ...
- -بوتّو-.. فنان رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يجني الملايين
- في حبِّ الحُزانى
- مارس .. موت و ميلاد
- أزمة الوعي: لماذا لا يكفي الذكاء والثقافة لإنقاذ العالم؟
- من يحاسب الذكاء الاصطناعي؟!
- أفلاطون ولغز المحاكاة
- وقفة لبنانية تؤكد أن قرار رجي ترجمة للأجندة الصهيوأمريكية
- من العراق كتبت زهراء الحسناوي : بَيْنَ الحُبِّ وَالطَّرِيقِ ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - طقس السبت