أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الكرسي الثالث














المزيد.....

الكرسي الثالث


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 08:41
المحور: الادب والفن
    


الآن، بعد سنوات من موت صديقي، أعود أحيانا إلى تلك الصباحات كما لو أنني لم أغادرها تماما. كنا نهرب من المحاضرات ونسير عبر الأزقة الضيقة خلف الكلية، كأننا نبحث عن شيء لا نعرف اسمه. كانت المدينة تستيقظ ببطء: الباعة يرفعون مصاريع دكاكينهم، ورائحة الخبز الساخن تختلط برطوبة الأرض. لم يكن في تلك الصباحات ما يستحق الهرب حقا، ومع ذلك كنا نهرب، ربما لأننا كنا نظن دائما أن الحياة تبدأ في مكان آخر.
كنا ننتهي دائما عند دكان الإسكافي العجوز في حي” دوار الحمير“. مكان صغير منخفض السقف، ثلاثة كراس سودها الزمن والدخان. على الأرض تناثرت قطع الجلد ومطارق صغيرة ومسامير لامعة، كأنها نجوم سقطت من سماء بعيدة. كانت رائحة الجلد الرطب تملأ المكان، ويصعد فوقها دخان بطيء نحو الباب نصف المفتوح.
جلس الإسكافي خلف طاولته القصيرة، يداه خشنتان كجذور شجرة، وعيناه نصف مغمضتين كنافذتين قديمتين. لم يسألنا من نكون. بدا كأن المكان يعرفنا قبله.
جلسنا بصمت. أخرج غليون الحشيش وملأه ببطء، كمن يعيد طقسا محفوظا في الذاكرة. سحب نفسا طويلا من السبسي وترك الدخان يرتفع في الضوء المتسلل من الباب. ظل يراقبه قليلا ثم قال، كأنه يحدث نفسه:
ما الذي تحتاجونه؟ شهادات؟ مرآة تمدح وجوهكم؟ العالم لا يهتم كثيرا.
ضحكنا بخفة، ثم انسكب الصمت بيننا كضباب خفيف. بعد قليل عاد يحمل صينية صغيرة ووضع أمامنا كأسين من الشاي. كان الشاي أسود كالليل، لا يقل سوادا عن البراد الذي يحمله.
راح يعمل على نعل حذاء مهترئ. كانت المطرقة الصغيرة تضرب المسمار بإيقاع هادئ، كأنها ساعة خفية تقيس وقتا لا نراه. قال وهو يثبت المسمار:
قضيت عمري أصلح أحذية الناس.
أشار بطرف الأداة إلى الرفوف حيث تراكمت نعال قديمة وجلود متعبة.
أحذية عمال مياومين… أحذية جنود متقاعدين… أحذية أرامل ما زال يتصاعد من جلدها غنج يتيم… وأحذية رجال عادوا من طرق طويلة ولم يعودوا يمشون كثيرا.
توقف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة:
الحذاء يعرف صاحبه أكثر مما يعرفه الأصدقاء.
كان صديقي ينصت أكثر مني. عيناه الرماديتان تتبعان الدخان وهو يتلاشى ببطء. أحيانا يبتسم ابتسامة قصيرة، وأحيانا يحدق في الفراغ طويلا، كأنه يصغي إلى شيء لا نسمعه.
ضرب الإسكافي مسمارا آخر في النعل وقال بهدوء:
تعلمت نصف ما أعرفه وأنا أصلح أحذية الناس.
ثم رفع رأسه قليلا وأضاف:
والنصف الآخر وأنا أحفر قبورهم.
نظرنا إليه، فهز كتفيه وضحك ضحكة خفيفة.
في أوقات الفراغ أعمل حفار قبور. وهناك فهمت شيئا بسيطا: الناس يمشون كثيرا… لكنهم لا يعرفون إلى أين.
عاد الصمت إلى المكان. كانت المطرقة تضرب ببطء، والدخان يتصاعد كفكرة لم تكتمل.
أشار الإسكافي إلى الكتب بين أيدينا وقال:
الشهادات؟ أنا خريج الحياة. علامتي الوحيدة أنني ما زلت حيا.
ثم سكت لحظة وأضاف:
الذكاء صمت… والتجربة ستر.
ظل صديقي يردد الجملة بصوت خافت، كأنها تخصه وحده. كأنها مفتاح لباب لم يفتح بعد.
بعد قليل نهض الإسكافي ببطء وخرج من الدكان تاركا الباب نصف مفتوح. بقيت رائحة الجلد والدخان معلقة في الهواء. جلسنا نحن الاثنين وحدنا، وثلاثة كراس في الدكان… أحدها فارغ.
ظل صديقي ينظر إلى الكرسي قليلا، ثم قال بصوت خافت:
ربما كان العجوز على حق. الناس يمشون كثيرا… لكنهم لا يعرفون إلى أين.
لم أعرف يومها إن كان يسأل أم يقرر.
مرت السنوات بعد ذلك كما تمر السنوات دائما: بصمت وبسرعة أكبر مما نتوقع. تفرقنا كما يتفرق الناس بعد الجامعة. كل واحد مضى في طريقه، وكل طريق بدا واضحا بما يكفي ليخدع صاحبه. هاجر بعضنا بعيدا، وتخاصم بعضنا مع الحياة.
لم أر صديقي مرة أخرى.
بعد سنوات علمت أنه اختار أن ينهي حياته. لم يترك رسالة، فقط دفاتر مليئة بأسئلة بلا إجابة.
لكن حين أستعيد ذلك الدكان في الذاكرة، لا يعود موته أولا. تعود تلك الصباحات. نجلس عند الإسكافي، نصغي إلى صوت المطرقة الصغيرة تضرب مسمارا في نعل قديم، بينما يتصاعد دخان السبسي ببطء في الضوء المتسلل من الباب.
يظهر المشهد كله واضحا كما لو أنه لم ينته بعد: الدكان الضيق، رائحة الجلد، الدخان البطيء… وثلاثة كراس.
كرسي لي.
وكرسي لصديقي.
والكرسي الثالث…
لم يكن فارغا يومها.
كان ينتظر.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب
- مرثية ساعي البريد
- مقهى الغبار
- نخب الغياب
- هشيم الزمن
- ملامح الغائب
- أمام البحر، وحيدا


المزيد.....




- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم
- -فاميلي بيزنس- و-برشامة- و-إيجي بيست-.. أفلام عيد الفطر في م ...
- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الكرسي الثالث