أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)














المزيد.....

على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 01:51
المحور: الادب والفن
    


وقفنا اليوم أمام البحر وحدنا مرة أخرى.
الطفلان كبرا الآن، ولم يعودا يركضان فوق الرمل كما كانا من قبل، ولم يعد الهواء يمتلئ بذلك الصوت الخافت الذي كان يسبق خطواتهما. البحر نفسه أمامنا، والريح كما كانت، ومع ذلك بدا المشهد أوسع، كأن الزمن أزال شيئا لا يمكن إعادته.
بقينا صامتين، نسمع احتكاك الموج بالحجارة.
ثم عاد ذلك الصباح، كما تعود موجة بعيدة نسمعها قبل أن تصل. صباح شتوي هادئ، بدا الشاطئ وكأنه خرج لتوه من نوم عميق. السماء منخفضة، رمادية، والأفق يذوب في الماء. وصلنا باكرين، ولم يكن هناك أحد تقريبا. الرمال مشبعة بآثار المد الليلي، والبحر يمتد بلون معدني ثقيل، والموجات الصغيرة تتأرجح بإيقاع قديم، غير معني بمن يقف على الشاطئ.
ما إن لامست أقدام الطفلين الرمل حتى ركضا، اندفاعهما حرية خالصة. البحر بالنسبة لهما ليس منظرا، بل مساحة للحركة، للتجربة، للضحك الذي يرتفع في الهواء البارد. أحدهما يسبق الآخر دائما، كما اعتاد منذ أن تعلما المشي. أتذكر الأيام الأولى حين كانا يتشبثان بأصابعي، وكأن الأرض نفسها غير جديرة بالثقة. الآن يركضان بعيدا دون أن يلتفتا.
اقترب أحدهما من الماء، لمست الموجة قدميه، فتراجع بسرعة ثم ضحك، ضحكة صافية ارتفعت فوق هدير البحر. بدأنا نمشي على امتداد الشاطئ، الرمال تلتصق بأحذيتنا والموج يقترب أحيانا ثم يتراجع. الطفلان يلتقطان أحجارا صغيرة أو صدفة مكسورة أو زجاج مصقول. عاد أحدهما نحوي وهو يلهث، فتح كفه ليريني صدفة بيضاء، مكسورة من طرفها:
"انظر… تشبه جناح طائر."
أخذتها منه. خفيفة جدا، هشة، شعرت أنها قد تنكسر من مجرد لمسها. وضعتها في جيب معطفي، ابتسم، ثم ركض من جديد نحو أخيه. وقفت أنظر إلى البحر، تذكرت صباحا بعيدا من طفولتي، على شاطئ آخر، كنت أقف بجانب أبي، أمسك يده بقوة لأن الماء بدا أكبر من قدرتي على الفهم. اقتربت موجة ولمست قدمي، تراجعت فورا. ضحك أبي قليلا: "البحر بارد فقط في البداية."
اقتربنا نحن أيضا من حافة الماء. الموج يتكسر على الرمل ببطء، يترك طبقة رقيقة ثم يتراجع، آثار الأقدام تظهر للحظة ثم تمحوها الموجة التالية. الريح تضرب المعاطف الثقيلة، والطفلان يركضان خلف بعضهما، والصمت بيننا ليس فراغا، بل حضورا نقيا.
ثم حدث شيء بسيط: خلع أحدنا معطفه أولا، وخلعت معطفي، وتركنا المعاطف على الرمل واقتربنا من الماء. حين لامست أقدامنا البحر، ارتجف الجسد قليلا. البرودة واضحة، مثل فكرة لا يمكن تجاهلها. تقدمنا خطوة، ثم أخرى، الماء يصل إلى الكاحلين، ثم الركبتين، ثم الصدر. ثم بدأنا السباحة. البحر في الشتاء لا يحتضن أحدا، لكنه لا يرفض أحدا. كل ضربة ذراع تشق الماء ثم تختفي، كل نفس بارد يدخل الصدر ثم يخرج ببطء.
ابتعدت قليلا عن الشاطئ. التفت إلى الخلف، رأيت الطفلين واقفين على الرمل، صغيرين في هذا المشهد الواسع. المعاطف ملقاة قرب الماء، كأنها أجساد فارغة. طفوت على ظهري، السماء الرمادية فوقي تبدو أوسع، والموج يرفعني ثم يتركني. داخل الماء تصبح الأفكار أخف، والذكريات أيضا. عدت أسبح ببطء نحو الشاطئ، وحين لامست قدماي الرمل، شعرت بثقل الجسد يعود تدريجيا.
الطفلان ركضا نحونا.
"هل كان الماء باردا جدا؟"
قلت: "بارد… لكنه جميل."
نظرا إلى البحر لحظة، ثم ركضا من جديد.
جلسنا قليلا على الرمال، والأفق يزداد قتامة، النهار الشتوي القصير يتراجع بصمت. البحر يواصل حركته القديمة: موجة تأتي، تمحو آثار الأقدام، ثم تعود. في تلك اللحظة أدركت شيئا بسيطا: سيأتي يوم يقف فيه هذان الطفلان هنا دوننا، ربما مع أطفال آخرين، وربما سيتذكران صباحا كهذا. البحر سيبقى كما هو، ونحن فقط من نعبره للحظة قصيرة.
حين انتهت الذكرى، كنا ما زلنا واقفين أمام البحر. الريح نفسها تقريبا، الموج نفسه، لكن الشاطئ فارغ. وضعت يدي في جيب معطفي، ما زالت الصدفة الصغيرة هناك. أخرجتها، نظرت إليها، ثم إلى البحر، وقلت بهدوء:
"هل تتذكرين ذلك اليوم؟"
ابتسمت فقط، وأعدت الصدفة إلى جيبي.
وبينما نبتعد عن الشاطئ، أدركت أن بعض اللحظات لا تختفي. إنها تبقى خفيفة وصامتة، مثل صدفة صغيرة وجدها طفل يوما ما على حافة البحر.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب
- مرثية ساعي البريد
- مقهى الغبار
- نخب الغياب
- هشيم الزمن
- ملامح الغائب
- أمام البحر، وحيدا
- الى رفيقي الطاهر


المزيد.....




- فيلم وثائقي يثير اتهامات للسيناتور الراحل غراهام بإقامة علاق ...
- التعليم العالي: المكتب الثقافي المصري بمدريد ينظم أسبوعًا ثق ...
- وفاة الممثل الأمريكي توم سكيريت نجم -Top Gun- و-Alien- عن 93 ...
- الذكاء الإصطناعي يورط فنانا مصريا شهيرا
- نمر يصيب محمد رمضان خلال تصوير -عشماوي-
- وفاة الممثل توم سكيريت نجم فيلم -Alien- عن عمر يناهز 93 عاما ...
- عن احتمالات النجاة التي لا نراها.. مسرحية -فيلم هندي- في دمش ...
- توم كروز يتلقى جائزة إنجاز العمر من معهد الفيلم الأمريكي
- علي البتيري يشرع قلمه لغزة.. القلم والبندقية وجهان لهدف واحد ...
- حكاية الأرض والنساء.. تتويج الفيلم السوداني -ملكة القطن- في ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)