أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الاسم الذي سقط تحت الضوء














المزيد.....

الاسم الذي سقط تحت الضوء


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 09:21
المحور: الادب والفن
    


كنت أجلس قرب النافذة الوحيدة في الحانة، النافذة المطلة مباشرة على الشارع. الزجاج متسخ بما يكفي ليشوه العالم دون أن يحجبه. في الداخل كان الضوء أصفر، ثقيلا، كأنه مادة عالقة في الهواء. رائحة الكحول، الدخان القديم، الخشب الرطب. والنادل، في الطرف الآخر، يمسح الكؤوس بحركة بطيئة ومحايدة، كما لو أنه يؤدي عملا لا يخصه، أو كما لو أن الليل نفسه يحتاج، بين حين وآخر، إلى من يلمع قذارته.
في الخارج لم تكن المدينة نائمة. كانت تبدو كجسد يتقلب تحت جلده.
جلست أراقب الشارع. كل من يمر يترك وراءه اختلالا خفيفا، فراغا يكاد لا يرى، لكنه يبدل هيئة اللحظة. عبرت امرأة تحت المصباح الباهت. كانت تمشي بسرعة لا توحي بوجهة، بل بفرار قديم. خطواتها قطعت الوقت إلى مقاطع قصيرة، وخلفت في الهواء ذلك النقص المألوف الذي يسبق الخسارة أو يليها.
كان صديقي يجلس قبالتي، يضم الكأس بين يديه. لم يكن ينظر إلى الشارع، بل إلي. وبعد صمت قال:
"أنت لا تنظر إلى الناس. أنت تنظر إلى الأسماء."
ابتسمت، لا موافقة ولا اعتراضا.
ثم قال:
"المدينة لا تضيق. الذي يضيق هو أنت."
في الزاوية الخلفية، كانت امرأة تضحك. ضحكة حادة، يتنازعها المرح والإرهاق. رجل إلى جانبها يضحك أيضا، بالخشونة نفسها التي يشتري بها الرجال دقائق مؤقتة من النسيان. قلت لصديقي إن في هذه المدينة شيئا يبعث في نفسي سخرية ثابتة.
سألني ماذا.
قلت: جميع العاهرات هنا يحملن الأسماء نفسها.
ابتسم.
قلت: رنا، سهى، مروة، لينا، رغدة.
ثم أضفت: ولا واحدة منهن تسمى بذلك حقا.
الأسماء هنا ليست سوى طبقة خفيفة توضع فوق الوجه، مثل معطف رخيص قرب الباب: للاستعمال السريع، ثم الإهمال. الرجل الذي يخرج مع رنا يعرف أنها ليست رنا، لكنه لا يطلب أكثر من ذلك. في هذا الوقت من الليل لا يبحث أحد عن الحقيقة. الحقيقة أثقل من أن تؤخذ إلى السرير أو إلى المقعد الخلفي لسيارة.
ثم توقفت امرأة تحت المصباح. انسكب الضوء على وجهها. عندئذ ظهرت الندبة الصغيرة فوق حاجبها الأيسر: خط رفيع، دقيق، شبه منسي، لكنه لا يخفى على من اعتاد أن يطيل النظر في الوجوه المتعبة. عرفتها. سهى.
كانت قد أخبرتني مرة أن الندبة جاءت من باب أغلقه والدها بعنف حين كانت في السادسة عشرة. قالت ذلك بهدوء جاف، كما لو أنها تذكر تفصيلا يخص أثاث البيت. ثم أضافت:
"منذ ذلك اليوم وأنا أغير اسمي كلما انتقلت إلى حي جديد."
بعدها بلحظة وصلت سيارة الشرطة. لم تأت من سياق، ولم تسبقها إشارة. ظهرت فقط، كأن الشارع لفظها. ارتعش الضوء الأحمر فوق الرصيف المبتل. نزل شرطيان. صاح أحدهما باسم لم ألتقطه. الرجل الذي كان يقف قربها حاول أن يهرب. لم ينجح إلا في خطوتين.
دخل الصراخ إلى الحانة. توقفت الأيدي محتضنة الكؤوس. انقطع الضحك على نحو مفاجئ ومهين، كما تنقطع موسيقى مبتذلة بسبب عطب كهربائي.
ثم دفعها أحدهم. سقطت على الرصيف. سمعنا رأسها قبل أن نراه. وسال الدم من الندبة القديمة.
لم يكن في المشهد شيء استثنائي. هنا، العنف لا يحتاج إلى ذريعة. يكفي أن يكون الليل متأخرا، والشارع نصف فارغ، والوجوه قابلة للاستبدال. بدت الندبة القديمة، وهي تنفتح من جديد، كأنها لم تكن أثرا، بل موعدا مؤجلا.
رفعت رأسها نحو النافذة. كانت تنظر إلي.
خرجت. الهواء البارد ضرب وجهي بصفاء مفاجئ. الشارع، من الخارج، كان أوسع مما يبدو من الداخل، وأكثر خواء. اقتربت منها. كانت تمسح الدم بظهر يدها، في حركة عملية خالية من التذمر أو التمثيل. ثم قالت:
"اسمي عائشة."
قالت الاسم مرة واحدة، من غير تمهيد، من غير رغبة في التأثير. ومع ذلك بدا كأنه الشيء الوحيد الحقيقي في تلك الليلة. عائشة.
للحظة، سقطت بقية الأشياء إلى مرتبة ثانوية: الضوء، الشرطة، الحانة، الاسم المستعار، المزاح الذي سبق كل ذلك. بقي الاسم وحده، واضحا وباردا، مثل معدن خرج لتوه من الماء.
ثم أشارت إلى المبنى الذي كانت الحانة تحتله في طابقه الأرضي، وقالت:
"كنت أعيش هنا. غرفتي كانت هناك."
رفعت بصري إلى الأعلى. النافذة المعتمة، الجدار المتآكل، الشرفة الضيقة. المكان الذي جلست فيه طوال الليل مراقبا، كأنني خارج كل شيء، انقلب فجأة إلى جزء من سيرة لم أعرفها. لم تعد الحانة مكانا عارضا. صارت بيتا سابقا. وبابا يغلق بعنف. وطفولة أسيء استعمالها. وصعودا يوميا على درج ضيق نحو غرفة تطل على هذا الشارع نفسه.
قالت:
"غريب، أليس كذلك؟"
لم يكن في السؤال ما يستدعي جوابا. بعض الأشياء لا تكون غريبة لأنها غير متوقعة، بل لأنها، على العكس، منطقية أكثر مما ينبغي. لم أقل شيئا.
سارت نحو الزقاق ببطء، من غير التفات. تركت خلفها أثرا خفيفا من الدم على الإسفلت، والضوء الأحمر يرتجف فوقه مثل عصب مكشوف.
عدت إلى الداخل وجلست قرب النافذة نفسها. الشارع كان فارغا الآن. لا أحد تحت المصباح. لا أحد على الرصيف. ومع ذلك ظل الضوء مشتعلا، ثابتا، باردا، كأنه لا يضيء لكي يرى شيء، بل لكي لا يختفي شيء تماما.
قال صديقي، ناظرا إلى كأسه:
"على الأقل… واحد منا سيحتفظ بالاسم."



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب
- مرثية ساعي البريد
- مقهى الغبار
- نخب الغياب
- هشيم الزمن


المزيد.....




- بواقعية سينمائية.. إنفيديا تبدأ عصر -الذكاء التوليدي- في بطا ...
- إرث حضاري متجدد.. الجامعة العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربي ...
- مساعد وزير الثقافة الإيراني: ترامب ونتنياهو يرتكبان الجرائم ...
- لإنقاذ تراث سينمائي متناثر: عمل جبّار ينتظر مؤسسة جان لوك غو ...
- الجازلايتينغ في الحرب على إيران: بين صناعة الرواية وتزييف ال ...
- فيلم -آلة الحرب-.. يوم -غيرت- هوليود نظرتها لحروب أمريكا
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صوت المقهورين
- شعانين بلا كشافة ولا موسيقى.. كنائس دمشق تحتج بصمت على هجوم ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة عن مسرح سناء الشّعلان في جامعة كاليكوت ...
- بين القانون والقرصنة.. فيلم -إيجي بست- يحكي قصة الموقع الأكث ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الاسم الذي سقط تحت الضوء