أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - ما لم يحدث














المزيد.....

ما لم يحدث


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


بدأ كل شيء داخل سيارتها، ليس في مكان، بل في فراغ معلق بين انتظار وشيء لم يحسم بعد.
الليل يتسلل من النوافذ، كحضور حي، يضغط على الصمت حتى يبدو الزمن مترددا، كأن كل ثانية تسأل عن نفسها قبل أن تمر.
هي التي دعته، قالت إن لديها ما تقوله عن العمل؛ جملة مكتملة بلا خطأ، لكنها تركت شيئا ناقصا، ككلمة حذفت قبل أن تقال، كنبضة توقف قلبها عن اللحظة.
جلست ويداها على المقود، ثابتتان، مرتدية بذلة رياضية تتنفس الأناقة الطبيعية، أجمل من كل لباس رسمي أو قفطان للمناسبات، بينما الكلمات أقل ثباتا، تهتز وتتهاوى قبل أن تصل.
تحدثت عن يومها، عن أشخاص وتفاصيل لا تحتمل البقاء، جمل واضحة، لكنها لم تكشف عن سبب وجودها هنا، عن الفراغ الذي جاء بها.
كان يسمع، لا يستمع، ينتظر ما يتسلل بين السطور، بين نبضات صمتها.
قال: «أحيانا لا تعني هذه التفاصيل شيئا… إلا حين تقولينها أنت. »
ابتسمت دون أن تنظر إليه، كأنها قبلت شيئا لم يعرض، شيء يخصها وحدها.
أدارت المحرك، تحركت نحو مكان يبدو قريبا حد التذكر، بعيدا حد الغياب، ببطء غير مبرر، كأن الحركة نفسها تأجيل، وكأن الليل يحمي لحظة ما قبل أن تحدث.
المدينة مرت كظل منزاح: أضواء باهتة، واجهات مغلقة، شوارع لا تؤدي إلى شيء، كل شيء يبدو مستعارا من حلم.
توقفت أمام فندق بلا نقاش، كأن القرار كان ينتظرها.
قالت: «أحيانا أشعر أن الليل يفهمنا أكثر. »
قال: «وأحيانا… صمتك. »
في البهو، الضوء نظيف أكثر مما ينبغي، بلا ظل، بلا احتمال، كأنه يكشف عن كل ما يختبئ بينهما.
جلسا متقابلين، والمسافة بينهما صارت ملموسة، كجرح صغير يعاود الظهور.
الكلمات عادت، لكنها تفككت قبل أن تكتمل، كأن اللغة تتراجع عن مهمتها أمام صمت اللحظة.
قال: «ماذا لو توقف كل شيء… الآن فقط؟» رفعت حاجبها، إشارة خفيفة، موافقة بلا التزام.
صمت قصير مر بينهما، لكنه لم يكن فارغا؛ كان كافيا، يزن أكثر من أي كلام.
نظرت إليه نظرة واحدة محددة، ثم انسحبت وقالت: «الحياة قصيرة. »
لم تكن جملة، بل طريقة للخروج من أي احتمالات لم تكتشف بعد.
انتظر، منحها الوقت لتقول ما جاءت من أجله، لكنه عرف أن الكلمات لن تكفي.
كل شيء كان ممكن الحدوث بسهولة، لكن لم يحدث شيء.
خفضت عينيها، ابتسمت ابتسامة لا تكفي، وعادت إلى تفاصيل لا تعني شيئا، كأنها تختبئ داخل اللغة بعد أن كادت تخرج منها، كأنها تختبئ من نفسها.
لم يحاول إنقاذ اللحظة، تركها تنتهي كما تريد.
في الضوء البارد، بدا كل شيء نهائيا، رغم أنه لم يبدأ.
خرجا كما دخلا، بلا تفسير.
في السيارة، جلسا في المكان نفسه، لكن ليس في الحالة نفسها؛ شيء غير مرئي اختل ولن يعود.
وضعت يديها على المقود، توقفت لحظة، كأن الجملة هذه المرة قد تخرج بلا حماية، لكنها لم تخرج.
أدارت المحرك، تحركت في اتجاه البداية، دائرة قصيرة مكتملة بلا أثر، كأن الزمن مر دون أن يضيف شيئا.
قال: «هل تصدقين أن بعض اللحظات تبقى أكثر من الأشخاص؟»
قالت: «لأنها لم تحدث. »
نظرا إلى بعضهما، لا وعد، لا وداع، فقط معرفة مشتركة بأن شيئا كان ممكنا ولم يعد.
نظرة واحدة، ومكان واحد، وفراغ واحد يكفي ليشعر كل منهما بما لم يقل، بما لم يعش.
فيما بعد، لم يكن هناك حدث يمكن استرجاعه، ولا خطأ يمكن تحديده. ومع ذلك استمر التأثير: في قرارات صغيرة، في تردد غير مبرر، في ميل دائم لتأجيل أشياء بسيطة. لم يتحدثا عن تلك الليلة؛ لم يكن هناك ما يمكن قوله عنها. تعلما، متأخرين، أن الفراغ بين الجمل ليس نقصا، بل المكان الوحيد الذي يمكن أن يحدث فيه كل شيء: حيث يولد الصمت، تتشابك اللحظات غير المعلنة، ويحدث الممكن والمستحيل في الوقت نفسه.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذين أنزلوا من الشاحنات
- طقس السبت
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب
- مرثية ساعي البريد


المزيد.....




- توبوريا يكشف كواليس الشراكة مع رونالدو في فنون القتال المختل ...
- تضارب الروايات بشأن مضيق هرمز: واشنطن تعلن العبور لتطهير الأ ...
- بلوزيوم الأثرية.. اكتشاف بقايا معبد يعود لأكثر من ألفي عام ف ...
- بوكسينغ وموسيقى.. علاج غير مألوف لمرضى باركنسون
- عائلته ضمن الحضور.. فيلم عن حياة مايكل جاكسون يجذب الآلاف إل ...
- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - ما لم يحدث