أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - خرجت… لكن ليس بما يكفي















المزيد.....

خرجت… لكن ليس بما يكفي


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 23:40
المحور: الادب والفن
    


لم تكن الطريق إلى السجن مسافة تقاس بالكيلومترات، بل انكسارا بطيئا في الإحساس بالاتجاه. ساعتان فقط تفصلان مدينتنا عن تلك المدينة، لكن الساعتين هناك لا تعملان وفق الزمن المعتاد؛ إنهما تتكاثران داخل المنعطفات، تتكرران داخل السؤال نفسه دون أن تمنحاه فرصة ليصير إجابة. طريق قديمة، موروثة من زمن لم يغادر تماما، كأن الإسفلت نفسه يحمل ذاكرة من مروا عليه قبلنا دون أن ينجوا منه… أو دون أن يخرجوا منه كاملين.
كنت أقطع الطريق وأشعر أنني لا أبتعد عن شيء، بل يعاد ترتيبي داخليا… كما لو أنني أستعاد، لا أتحرك. كل منعطف كان يطلب مني أن أترك نسخة صغيرة من اليقين خلفي. وحين أصل، لا أكون الشخص ذاته الذي غادر.
المدينة التي يوجد فيها السجن لا تستقبل أحدا، بل تمر عبره ببرود محسوب. الشوارع بلا ارتباك، الوجوه بلا أثر، والجدران نظيفة على نحو يثير الريبة، كأنها خلقت لتمنع الذاكرة من التشكل… أو لتحتفظ بها دون أن تظهرها.
لم أكن أبحث عن أخي في المكان، بل عن دليل على أنه ما زال ممكنا التعرف عليه.
في الداخل، كل شيء يعمل كأنه نظام مستقل عن الإنسان. حين سألني الحارس عن صفتي، توقفت لحظة أطول مما ينبغي. كلمة "أخ" بدت أكبر من أن تقال هنا. قلت: "قريب". كانت ناقصة، لكنها صالحة للاستعمال في مكان لا يعترف بالاكتمال.
حين جلس أمامي، لم يكن يشبه الغياب ولا الحضور. كان شيئا بينهما، حالة لا تستقر في وصف. نظرت إليه طويلا، لا لأتأكد من هويته، بل لأفهم كيف يمكن لإنسان أن يبقى في مكانه بينما يسحب منه كل ما كانه.
قال دون مقدمات:
- الطريق ما زالت كما هي؟
أجبت:
- المنعرجات لا تنتهي.
هز رأسه كمن يعرف ذلك مسبقا:
- الأشياء التي لا تنتهي…
وسكت، كأن الجملة اكتفت بنفسها.
سألته:
- كيف تعيش هنا؟
تأمل السؤال، ثم قال:
- لا أعيش…
وأضاف بهدوء:
- أتعلم أن أكون أقل.
- أقل ماذا؟
- أقل مما كنت أظنه نفسي… أو أقرب إلى ما يتبقى منها.
تردد قليلا، ثم قال:
- أتعرف… الكتابة هنا ممكنة. على الجدران.
سكت لحظة، ثم أكمل:
- في الداخل، لا أحد يمنعك من أن تترك أثرا… لكن متعتها لا تعني شيئا.
- لماذا؟
- لأن الجدار هنا لا يقاومك… لا ينسى، لكنه لا يعترف. يحتفظ بما يكتب عليه دون أن يسمح له بأن يصبح أثرا.
ثم أضاف:
- الكتابة على جدار في الخارج… هي فقط التي تخاطر بأن تمحى، ولهذا تعني شيئا.
كنت أعود عبر الطريق نفسها. الليل يجعل المنعرجات أقرب إلى الجسد، كأنها تتحرك معه. لم تكن الطريق مجرد وسيلة، بل امتدادا لشيء لم يحسم بعد، كأننا لا نعبرها، بل تعاد كتابتنا عليها… دون أن نحتفظ بما كتب.
في البيت، كان أبي ينتظر بصمت لا يعلن عن نفسه. لم يكن يسأل عن التفاصيل، بل عن التحول.
- هل تغير؟
قال ذات مساء.
- نعم.
- إلى ماذا؟
ترددت:
- لا أعرف إن كان تغيرا… أم انكشافا متأخرا.
أغمض عينيه:
- الإنسان لا يهزم حين يحبس…
ثم سكت قليلا:
- بل حين لا يجد مكانا يضع فيه نفسه بعد ذلك.
وفي مساء آخر قال:
- هل يكتب على الجدران؟
توقفت لحظة أطول مما ينبغي.
- يقول إنهم يكتبون…
فتح عينيه قليلا، كأنه لا يسأل عن الفعل، بل عن إمكانه.
منذ تلك الفترة، بدأ أبي يتراجع بهدوء. لم يكن مرضا واضحا، بل انسحابا داخليا من العالم. صار أقل كلاما، أكثر إنصاتا لشيء لا نسمعه. وفي إحدى الليالي قال:
- بعض الأشياء لا تحتمل…
ثم أضاف:
- لأنها بلا معنى يمكن حمله.
مات في مدينتنا الأولى، في المكان نفسه الذي عاش فيه، كأن الموت قرر أن يكون عودة صامتة إلى نقطة لا تتطلب شرحا. دفناه هناك، ونحن ندرك أن جزءا منا كان قد بدأ يغادر قبل الجسد.
بعده، لم تعد المدينة الأولى تحتملنا، أو لم نعد نحن نحتملها. لم يكن الرحيل قرارا واضحا، بل انزياحا تدريجيا نحو مكان لا يعرف أسماءنا. انتقلنا إلى مدينة ثالثة، لا ذاكرة لها معنا، كأنها صفحة لم تكتب من قبل.
حين خرج أخي من السجن، جاء إلى هذه المدينة الثالثة، لا إلى الأولى. لم يعد هناك ما يمكن العودة إليه بالمعنى القديم. وقفت أمامه عند الباب، ولم أشعر بلحظة لقاء، بل باستمرار شيء لم ينقطع أصلا.
سألني:
- كيف هي هنا؟
قلت:
- أهدأ… لكن ليس أنا.
ابتسم:
- الهدوء أحيانا شكل آخر من الاختفاء.
لم يعد يقترب من الجدران. كان يمر بجانبها دون أن يمنحها نظرة، كأن العلاقة التي كانت بينه وبين العالم المادي قد انقطعت بهدوء، دون إعلان.
بدأ جسده يتراجع ببطء. لم يكن الألم واضحا، بل موزعا… كأنه فقد مكانه. حين سألته إن كان يشعر بشيء، قال:
- ليس شعورا…
ثم أضاف:
- بل استمرار لما لا يفهم.
في إحدى الليالي قال دون مقدمة:
- خرجت…
ثم توقف:
- لكن ليس بما يكفي.
- بما يكفي لماذا؟
لم يجب مباشرة:
- بما يكفي لأصبح خارج ما حدث.
في المستشفى، في المدينة الثالثة، كانت الغرف بيضاء إلى حد محو التفاصيل. كل شيء يبدو مصمما ليمنع التعلق. جلست قربه دون أن أبحث عن جملة مناسبة؛ بدت اللغة أقل من الموقف.
- هل تخاف؟
نظر إلي بهدوء:
- الخوف يحتاج إلى مستقبل…
ثم أضاف:
- وأنا لا أملكه الآن.
مات دون صراع. ليس كاستسلام، بل كتوقف طبيعي لشيء استنفد شروط استمراره.
بعده، بقيت وحدي بين ثلاث مدن: مدينة دفن فيها أبي، مدينة أغلق فيها أخي، ومدينة انتهى فيها. أما أنا، فبقيت في المسافة بينها، كأنني لا أنتمي إلا إلى التنقل نفسه.
صرت أمشي في هذه المدينة الأخيرة كمن يختبر إمكانية الحياة دون تفسير. الجدران هنا محايدة، لا ترفض ولا تحتفظ. في أحد الأزقة، توقفت أمام جدار فارغ.
أخرجت قلما. ترددت.
لم يكن التردد خوفا من الفعل، بل إدراكا لثقله… أو لكونه قد حدث بطريقة ما.
رفعت القلم، ثم أعدته إلى جيبي. لم أكتب. ومع ذلك، شعرت أن شيئا قد كتب بالفعل، ليس على الجدار، بل في المسافة التي تفصلني عن الفعل. مضيت. لم يحدث شيء.
لكن هذا "اللا شيء"… كان كل ما تبقى حين لا يعود أحد.
توقفت بعد خطوات. عدت ونظرت إلى الجدار. لم يكن فارغا.
كانت هناك جملة قصيرة، مكتوبة بخط أعرفه، خط لم يتغير رغم كل شيء.
اقتربت. قرأتها ببطء، كأنني أتعلم اللغة من جديد:
- خرجت… لكن ليس بما يكفي."
تراجعت خطوة. لم يكن الارتباك في الجملة، بل في معرفتي بها.
عرفتها… قبل أن تقع عيني عليها.
رفعت بصري عن الجدار.
وفي تلك اللحظة، لم أعد متأكدا إن كنت قد عدت إليه فعلا… أم أنني لم أغادره أصلا.
ثم فهمت شيئا لم يقله أحد:
أن "الزيارة" لم تكن حدثا… بل حالة لا تنتهي.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإبهام الذي عطل العالم
- ما لم يحدث
- الذين أنزلوا من الشاحنات
- طقس السبت
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - خرجت… لكن ليس بما يكفي