أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - المشي خارج المعنى














المزيد.....

المشي خارج المعنى


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 18:02
المحور: الادب والفن
    


لم تكن المدينة نائمة، بل معلقة عند حد غامض بين يقظة لا تكتمل وانطفاء لا يحدث. تعطلت السيارة فجأة، وصمت المحرك كأنه انسحب من العالم. حاولت تشغيله ثم تركته؛ لم يكن هناك ما يمكن إصلاحه في تلك اللحظة. نزلت، وكان الليل ممتدا أكثر مما ينبغي، والشارع فارغا على نحو غير مريح. لا أصوات، فقط شيء خافت لا يسمع بقدر ما يحس، كأن الظلام نفسه يتنفس ببطء.
بدأت أمشي دون قرار واضح. خطوة تتبعها أخرى، كأن الجسد سبقني إلى مكان لا أعرفه. كل خطوة أثقل من التي قبلها، ليس تعبا فقط، بل أثر عالق من ليلة لم تنته داخلي، حرارة خفيفة تحت الجلد، بقايا بلا اسم. الهواء بارد، يمر عبر وجهي ثم داخلي دون أن يترك أثرا محددا، وأحاول الإمساك بفكرة فتفلت، كما لو أن الذهن نفسه يرفض أن يستقر. الصمت هنا لم يكن غيابا للصوت، بل حضوره بشكل آخر: ضغط خفيف على الرأس، امتلاء غير مرئي. الأرصفة مبللة بندى الليل، رطوبة شفافة تلتقط الضوء وتكسره في طبقات خافتة، كأن المدينة تفرز لمعانها البارد ببطء. أراقب دون أن أتوقف. كان يمكن أن يحدث أي شيء، لكن شيئا لم يحدث. بدل الخوف، كان هناك انتباه حاد، يقظة زائدة، كأنني موضوع داخل اختبار لا أعرف شروطه. ثم بوضوح لا يناسب الفراغ، سمعت اسمي. التفت؛ لا أحد. ومع ذلك بقي الصوت كأثر في الهواء، أو كفكرة سبقتني إلى المكان. المدينة لا تبدو معادية، فقط غير مهتمة، كأن وجودي فيها لا يترك أثرا.
رن الهاتف. جاء الصوت من مكان بعيد عن هذا الليل.
- أين أنت؟
نظرت حولي، كما لو أن الإجابة معلقة في الفراغ.
- أمشي.
- في هذا الوقت؟
- نعم.
ترددت لحظة، ثم قالت:
- ليس هذا صوتك.
لم أجب. لم تطلب تفسيرا، ولم أقدم واحدا. لكن صوتها أدخل خيطا رفيعا يمنع السقوط الكامل. انتهت المكالمة سريعا، ولم يتغير الليل، غير أنني لم أعد فيه وحدي تماما.
عند زاوية شارع، حيث الضوء أضعف والظلال أكثر كثافة، شعرت بأن المكان ينزلق قليلا، كأن الأرض لم تعد ثابتة بالكامل. حاولت تثبيت نظري على شيء محدد: عمود إنارة، نافذة، خط باهت على الرصيف. لكن الأشياء بدت بعيدة حتى وهي أمامي. ظهر انعكاسي في بقعة رطبة: وجه نصفه في الضوء ونصفه الآخر مكسور داخل الظل. ابتسمت، أو خيل إلي ذلك، دون يقين، وللحظة بدا أن الانعكاس تأخر عني، كأنه يحتاج وقتا إضافيا ليصل. جلست على الحافة، والمدينة تتنفس ببطء. سأل صوت داخلي، واضح على نحو غير مريح: ستكمل؟ كان الجواب حاضرا: نعم. إلى أين؟ لم أجب. عاد الصمت، كما لو أن السؤال لم يكن.
عادت الذكريات دون ترتيب: ضحك، موسيقى، وجوه اقتربت ثم اختفت، كلمات لم تكتمل. كل شيء قريب، لكنه لا يخصني بالكامل، كأنني كنت حاضرا بنصف فقط وتركت الباقي خلفي. نهضت. لم يعد الفراغ تهديدا، بل امتدادا هادئا بلا مطالب. أحيانا أشعر أنني أطفو فوق الشارع لا أمشي عليه، وأن الخطوات تحدث في مكان آخر بعيدا عني. الزمن فقد حدوده؛ ساعة، ساعتان، أو أكثر، لم يعد لذلك معنى.
رن الهاتف مرة أخرى.
- هل ما زلت تمشي؟
- نعم.
- لم تصل بعد؟
نظرت أمامي؛ الطريق لا يؤدي إلى شيء يمكن تسميته وصولا.
- لا.
صمتت لحظة، ثم قالت:
- عد… إن كنت ما زلت هنا.
بقيت واقفا قليلا، كأن الجملة تركت أثرا خفيفا لا أريد الاعتراف به. لم أجب. أغلقت الخط.
بدأ التعب يظهر بوضوح؛ الجسد أثقل، والخطوات أبطأ، لكن التوقف لم يكن ممكنا، كأن الحركة نفسها هي ما يمنع كل شيء من الانهيار. أصوات بعيدة تظهر وتختفي، ضحك، باب يغلق، شيء يسقط، والمدينة لا تزال هناك؛ لا تصمت تماما، لكنها لا تتحدث معي. الطريق يلتف دون وضوح، كل زاوية تشبه الأخرى، وكل ضوء يتكرر. لم أعد متأكدا إن كنت أتقدم أم أدور في المكان نفسه، غير أن ذلك لم يعد مهما. كان هناك نوع من الحرية في هذا الغياب. حرية لا تحتاج إلى تفسير.
ثم، دون انتقال واضح، جاء الصباح. ضوء خفيف يتسرب عبر الستائر.
الغرفة صامتة، والسرير يستقبل جسدا يبدو كأنه وصل قبلي. بقيت مستلقيا دون حركة، أحاول استعادة الطريق، فيبتعد ويتكسر كحلم توقف قبل نهايته. الهاتف على الطاولة لا يرن، لكن صوته لا يزال عالقا في الذاكرة، ومعه تلك الجملة: ليس هذا صوتك. أرفع رأسي قليلا، كأنني أتحقق؛ الصمت كما هو.
لا أعرف إن كنت قد عدت فعلا، أم أنني انتقلت فقط من شكل من الفراغ إلى آخر. لكن شيئا ما بقي، ليس له معنى، ولا طمأنينة، مجرد أثر خفيف، يكاد لا يرى: أن الطريق، حين يطول بما يكفي، لا يقود إلى جهة… بل يترك في العابر شيئا يشبهه.
في المطبخ، صوت أوان خافت. أصغي. الصوت يتكرر، بدقة مريبة، كما لو أنه لا ينتظر أحدا. لا أعرف إن كان الفطور يعد الآن، أم أن شيئا ما استيقظ قبلي… ليكمل عني الطريق.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خرجت… لكن ليس بما يكفي
- الإبهام الذي عطل العالم
- ما لم يحدث
- الذين أنزلوا من الشاحنات
- طقس السبت
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - المشي خارج المعنى