أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - المقص الذي يكتب التاريخ بالندوب














المزيد.....

المقص الذي يكتب التاريخ بالندوب


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 16:01
المحور: الادب والفن
    


في بلدة جبلية نائية تتشبث بيوت حجرية بالسفح كأنها جزء من صخر لم يكتمل، كانت الغيوم تنخفض أحيانا حتى تلامس الأسطح ثم تنسحب ببطء، وتغادر مكانا لا تريد أن تنسب إليه. لم يكن الزمن هناك يقاس بالساعات، بل بما يعلق في الجسد من أثر خفيف يشبه الندبة: أعراس تشعل الأزقة، ومآتم تطفئها، وعادة قديمة تستعاد في عمر مبكر دون اسم واضح لها، كأنها تمارس بصمت لا يحتاج إلى تفسير.
في ذلك الصباح خرج الطفل مع أبيه. لم يكن صباحا واضحا، بل امتدادا لليل لم يحسم أمره بعد. كان الأب يمشي أمامه بخطوة نصف محسوبة، والطفل يتبعه وكأنه يتبع أثرا سبق أن رآه في حلم ولم يثق به. في جيب الطفل حصاة صغيرة يضغط عليها كلما ارتبك، كأنه يختبر وجوده عبر صلابة شيء خارج جسده. الأب، من جهته، كان يشعل سيجارة ثم يتركها تنطفئ قبل أن تكتمل، كمن يتراجع عن فكرة قبل أن تتحول إلى قرار.
لم يكن بينهما كلام. أو ربما كان هناك كلام لم ينطق لأنه لم يجد صيغة مناسبة ليخرج. كان الصمت هنا ليس فراغا، بل شكلا آخر من الاتفاق، اتفاقا قديما بين ما يقال وما ينفذ دون سؤال.
عند طرف السوق، حيث يتكدس الغبار بين واجهات محلات قديمة لا تتغير إلا في التفاصيل الصغيرة، توقفا أمام محل الحلاق. المكان بدا أكثر ثباتا من الزمن نفسه: مرآة باهتة بحواف متآكلة، كرسي معدني يصدر صوتا خافتا عند كل حركة، زجاجات كحول نصف ممتلئة، ومقصات معلقة كأنها أدوات تنتظر دورها في رواية لم تكتب بعد.
خرج الحلاق دون استعجال، ومسح يديه في مئزر رمادي. نظر إلى الطفل أولا، ثم إلى الأب، ثم إلى الفراغ خلفهما، كأنه يتأكد أن الطقس الذي سيبدأ ليس موضع اعتراض من أحد. قال بصوت منخفض لا يرتفع ولا ينخفض: لا تنظر كثيرا. لم تكن جملة كاملة، بل توجيها يهدف إلى إخراج الوعي من اللحظة بدل تفسيرها. رفع الطفل رأسه، وفوق سلك كهربائي ممتد بين بيتين رأى عصفورا صغيرا يقف بثبات غير منطقي، كأنه لا يخضع لقوانين السقوط. تمسك الطفل بالصورة، كأنها تمنحه إمكانية تأجيل ما لا يمكن تأجيله.
داخل البيت كانت النساء يتحركن بإيقاع محسوب: ماء ساخن يسكب ويعاد تسخينه، قماش أبيض يطوى ويفرد، وصينية حلوى توضع في الزاوية كإعلان غير معلن أن الأمور تحت السيطرة. لكن السيطرة هنا كانت شكلا من التظاهر أكثر منها حقيقة. الأم كانت تراقب الطفل بعين لا ترفعها كثيرا، تتابع ارتجاف يده، طريقة جلوسه، تغير تنفسه، وكأنها تحاول قراءة ما سيحدث قبل أن يحدث دون أن تمتلك القدرة على منعه.
ما جرى داخل ذلك المكان لم يرو لاحقا بطريقة واحدة. لم يكن الغموض ناتجا عن النسيان فقط، بل عن طريقة الذاكرة في هذه البلدة: فهي لا تحفظ الحدث، بل تحفظ أثره وتترك التفاصيل تتآكل مع الوقت. بقي فقط أن الليل طال أكثر مما ينبغي، وأن الطفل خرج من ذلك اليوم بشكل لم يعد قابلا للعودة إلى شكله السابق.
في الأيام التالية، لم يكن التغير واضحا في البداية، لكنه كان يتسرب إلى التفاصيل الصغيرة: طريقة المشي، التردد قبل الحركة، اليد التي تعود أحيانا إلى الجسد كأنها تتحقق من وجوده. لم يعد الطفل يركض كما كان، ولم يعد يضحك بالسرعة نفسها، كأن الزمن داخله بدأ يتحرك ببطء مختلف عن الزمن الخارجي. الأب كان يلاحظ ذلك دون تعليق، كأن الصمت أصبح شكلا من أشكال الاعتراف غير المعلن بأن بعض الأشياء لا تصلح لأنها لم تفهم أصلا.
في ليلة انقطعت فيها الكهرباء وغرقت البلدة في عتمة كثيفة لا يقطعها سوى صوت الريح على النوافذ الخشبية، جلس الطفل قرب أبيه وسأله بصوت منخفض: لماذا ذهبنا إلى هناك؟ تأخر الأب في الرد، ليس لأنه لا يعرف الجواب، بل لأنه كان يبحث عن صيغة لا تزيد المعنى ثقلا. ثم قال: قالوا إن الأمر هكذا يفعل منذ زمن. لم تكن إجابة، بل إعادة تدوير لجملة أقدم من الذاكرة نفسها.
مرت السنوات دون أن تمر فعليا. الزمن هنا لا يتحرك بخط مستقيم، بل يتراكم طبقة فوق طبقة، كالغبار على الأشياء التي لم تستخدم منذ زمن طويل. كبر الطفل، لكن جسده ظل يحمل شيئا من التردد، كأن الحركة تحتاج دائما إلى موافقة داخلية لا تمنح بسهولة. صار يسمع كلمات مثل الرجولة والطهارة والانتماء، لكنه كان يراها مفصولة عن التجربة، كأنها تقال في مكان آخر لا يشبه الجسد الذي عاش ما عاشه.
وفي ليلة شتوية أخرى، قال لأبيه: هل كنت تعرف ما الذي سيحدث؟ تأخر الأب طويلا قبل أن يجيب، ثم قال بصوت لا يشبه الحسم: نحن لا نختار ما نفهمه، بل نكرر ما وجدناه أمامنا. لم تكن الجملة تفسيرا، بل اعترافا متأخرا بأن المعرفة نفسها قد تأتي بعد الفعل بوقت طويل لا ينفع فيه التصحيح.
في الخارج، كان السلك الكهربائي لا يزال ممتدا بين البيوت، لكنه كان هذه المرة خاليا من العصفور. أو ربما لم يكن خاليا تماما، بل إن ما تغير هو قدرة العين على اليقين: لم يعد ممكنا التأكد مما إذا كان ما نراه هو ما كان موجودا أصلا. ظل الطفل يحدق إليه طويلا، كأنما يبحث في ذلك الامتداد المعدني عن أثر شيء آخر، شيء لا يوجد في الخارج بقدر ما يظل عالقا في الداخل منذ زمن لا يقبل القياس ولا الاستعادة.
ومع مرور الأيام، أخذ ذلك الالتباس يتسرب إلى الجسد نفسه. فكلما احتك المقص الصدئ، كان يمتد إلى ما أسفل البطن شعور غامض، متردد بين اللذة والألم، كخدر دافئ لا يكتمل معناه. وكأن السلك في الخارج لم يعد سوى امتداد خفي لذلك الأثر الداخلي، الذي لا يرى لكنه يستمر في العمل بصمت، كلما ظن الطفل أنه يبتعد عنه أكثر.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشي خارج المعنى
- خرجت… لكن ليس بما يكفي
- الإبهام الذي عطل العالم
- ما لم يحدث
- الذين أنزلوا من الشاحنات
- طقس السبت
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء


المزيد.....




- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...
- غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا ...
- معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول ...
- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - المقص الذي يكتب التاريخ بالندوب