محمد خالد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 03:06
المحور:
قضايا ثقافية
في فضاء الإبداع الرحب، يبرزُ صنفٌ من الناس،
ينتدبون أنفسهم قضاةً في "محكمة النصوص"،
لا ليحتفوا بالجمال أو يقرأوا ما بين السطور،
بل ليقيموا متاريس الانتقاص،
ويحكموا على أقلام الآخرين بأحكامٍ جائرة.
تراهم في حركتهم كالمناشير التي لا تجرح فحسب،
بل تُدمي، أو كأحجارٍ صماء غايتها الكسر لا البناء.
إن الكتابة، في جوهرها، فعلٌ ذاتيٌ محض؛
فكل كاتب يخطُّ أحرفه بحبرٍ مستمدٍّ من تضاريس روحه وتجاربه.
وكما تتجلى الطبيعة في أبهى صور تنوعها—حيث تتباين النباتات في استقامة أغصانها،
وتختلف ألوان أزهارها، ويتفرّد كلُّ منها بعطرٍ لا يشبه الآخر،
ووظيفةٍ حيويةٍ لا يؤديها غيره—كذلك هي النصوص؛
لكلٍ منها هويته التي تستمد مشروعيتها من اختلافها.
أما "قاع الهبوط" الحقيقي،
فهو تلك الحالة الشعورية التي يتوهم فيها المرء أنه بلغ "قمة" الإدراك أو الفن،
بينما يرى في سواهُ حطباً لمدفأة غروره.
هؤلاء غاب عنهم أن الحياة—بكل تجلياتها—
ليست مساحةً متساوية أو مستوية،
فمثلما للجبال علوها ونسيمها العليل،
للهضابِ سطوتها وتضاريسها،
وللسهولِ انبساطها الذي لا يقلُّ سحراً عن قمم الجبال.
في لنتذكر أن كل نصٍ هو رسالةٌ موجهة، يبتغي صاحبها إيصال فكرةٍ أو ومضةِ شعورٍ،
ومن حق الكاتب—بل من واجبه—أن يختار أسلوبه الذي يشبهه،
دونما تصنّعٍ يفسد العفوية، أو ابتذالٍ يفرغ النص من جوهره.
إن النرجسية في أصلها ليست سوى انغلاقِ النفس على ذاتها،
وإعلاناً لسيادةٍ وهميةٍ تقوم على نفيِ الآخر وإقصائه.
ختاماً، لا بد من وقفةٍ مع الحقيقة التي تكررها الأيام:
إن من يتفرغ لنقد البناء وتفكيك حجارة الآخرين،
غالباً ما يعاني من عجزٍ أصيلٍ في مهارة "البناء" نفسه؛
فالناقد الحقيقي هو من يرى الضوء في عتمة النصوص،
لا من يطفئ أنوار الآخرين ليخال أن ضوءه قد ساد.
#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟