محمد خالد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 03:05
المحور:
قضايا ثقافية
في خضم المتغيرات الراهنة التي تعصف بوجدان المجتمعات،
وتفرض سياسات احتواءٍ تتجاوز الأطر السياسية إلى النسيج الاجتماعي العميق،
يبرز مفهوم "التوازن المجتمعي" كضرورة وجودية.
ولعلنا في تأملنا لهذا المفهوم،
نجد في الظاهرة الرياضية نموذجاً مصغراً لبيولوجيا التعايش الإنساني،
حين يتوزع الولاء داخل الأسرة الواحدة بين فرقٍ شتى،
مما يجعلها متصالحةً مع كل الاحتمالات.
قراءة في الوجهين: الانفتاح النبيل والانتهازية المبطنة
بيد أنَّ هذه الصورة لا تكتمل إلا بقرءاة الوجه الآخر للمشهد.
فإذا كان "تعدد الولاءات" في جوهره يمثل تمرداً على التعصب،
فإنَّ الواقع الاجتماعي السائد يكشف عن وجهٍ مغايرٍ لهذا المنهج؛
إذ يعمد الكثير من الأفراد إلى تبني هذا "التعدد" لا إيماناً بقيم التعايش،
بل انطلاقاً من "نفعيةٍ براغماتية" باردة.
إنَّ هذا الصنف من الناس يختار أن يكون "مع الجميع"؛
ليس حباً في التنوع، بل ضماناً لاستدامة المصالح.
إنهم يتلونون بألوانِ مَن يعلو شأنه، ويقفون في صفِّ القوة المتسيدة أياً كانت،
لكي يضمنوا لأنفسهم نصيباً دائماً من "الكعكة".
هذا المنهج -الذي لا أتبناه ولا أدعو إليه- يكشف عن استراتيجية اجتماعية خطيرة،
تتحول فيها "المرونة" من ميزةٍ أخلاقية إلى وسيلةٍ للالتفاف على المبادئ،
مما يجعل من الولاء سلعةً تُباع وتُشترى في سوق الفرص الراهنة.
ما وراء المستطيل الأخضر
إنَّ هذه الإسقاطات الاجتماعية –سواءٌ كانت بدافع الحكمة أو بدافع المصلحة–
لا تتوقف عند حدود الرياضة. إنَّ الرياضة هنا ليست إلا مرآةً عاكسة؛
فالمجتمعات التي تقتات على فكرة "اللون الواحد" هي مجتمعاتٌ تفتقر للمناعة،
ولكن تلك التي تتحول فيها المواقف إلى مجرد "أدواتٍ للاستثمار" في ظل المتسيدين،
هي مجتمعاتٌ تفقد بوصلتها الأخلاقية.
ختاماً، تحية إجلال لكل تلك الكيانات التي تمنحنا فسحةً للتنفس،
وعساها دائماً أن تحظى بمدربين يمتلكون بصيرة القيادة، وجمهورٍ صادقٍ يدرك أنَّ الحياة ميدانٌ للمنافسة الشريفة، لا حلبةً لتوزيع الحصص والمكاسب. إنَّ التوازن المجتمعي الحقيقي يكمن في ثبات المبادئ، لا في مهارة الرقص على حبالِ موازين القوى.
#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟