أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - يَدَاانِ .. بَلْ يَدٌ وَاحِدَةٌ تُعَانِقُ الضِّيَاء















المزيد.....

يَدَاانِ .. بَلْ يَدٌ وَاحِدَةٌ تُعَانِقُ الضِّيَاء


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 00:28
المحور: الادب والفن
    


تَحْمِلُ يُمْنَاهُ أَغَلَّايْ مقْراجْ الوضوء يضعه قرب الموقد بجانب نظيره المُفَحَّم الذي لم ينقطع أزيزُه تحت فرقعة الأعواد المتقدة .. لقد نهض جدي قبل الجميع وقام بمهمات التبكير كالعادة سائرا على أطراف أنامله دون يحسَّ به أحد .. أوْقَدَ الأتونَ، يَسِّيحْمَا أمان، يَسْنّنْ القهوة، سَوْجَدْ الفَطور، ركع ركعات خفيفة، تلا في سِره آيات يحفظها، قصد المُصلى القريب جدا من الدار لا يفصله عنها سوى مسلك ضيق يخترقه نُهَيْر ينشط مَوْسمَ سقوط الأمطار ( آغزر نايتْ عَيّاد ) شبه اليابس في هذه الأوقات من الصيف حيث يتحول إلى جدول صغير لا أثر واضح لسيلانه الهامس؛ غير أنه يظل دائما عامرا بالكثير من القيل والقال بخصوص حيواته غير المرئية الراتعة في جنباته الخفية الملتبسة بكينونات برمائية قليلة القد والحجم قد تفعل فعلها غير المتوقع في مَنْ يقارب مواضعها، ولعل هذا هو مبرر الموقف الصارم لجدتي المانع جدي من ارتياد مكان الصلاة أخريات الليل، خصوصا بعد الحديث الذي حدَّث به العائلة في شأن ما وقع له في إحدى فجرياته الباكرة .. لقد كان شيئا عاديا جدا أن يكون وحيدا في ذاك الوقت من الليل بعد أنْ سبق الفقيهَ للمكان كما كان ديدنه دائما، ولم يك من أولئك الذين يَفْرَقُونَ مِنْ ما يمكن أنْ يخالج صدر الانسان من خلجات مبهمة أو لحظات ملتبسة في مثل هذه الأوضاع الخاصة، أو كان من الذين يفكرون كثيرا أو يُعمرون خواطرهم بوساوس لا فائدة منها أو يذهب باله في أوهام لا طائل تحتها .. مكتفيا كان دائما بالأوراد والتراتيل والأدعية يُؤنس بها وحدته في حله وترحاله في شعابات وسبل البلدة الشاردة .. أزالَ نعليه بَسْمَلَ اعتلى صعيدا طاهرا قُرَيْبَ باب الخشب وضع يمناه على أذنه اليسرى .. الله أكبر .. شرعت بحاته الخافتة ترفع الآذان .. الحمد لله رب العالمين .. دلف إلى الجامع الفارغ .. أنار شمعتيْن أخرييْن بالإضافة إلى تلك التي تظل مشتعلة طيلة الليل لا تنطفئ أبدا .. أقام الصلاة توغل في أجواء بداية مغيب ظلام الغسق بداية غبش الصباح ساح ذاب .. ثم .. السلام عليكم الأولى نبس بها يمينا والثانية .. سَلاااا ... هنا .. رأى ما رأى معاينة لا توهما أو تخيلا جامحا يُجسدُه له قلبه المَهدود .. كما ادعى البعض بعد ذلك في قِيلااات تُلاك غمزا وسخرية أو تشفيا أو ما شابه .. بالكاد أنهى " مْمْمْ " الأخيرة من تسليمة ركعتيْ تحية المصلى حتى عنت له الحركة غير عادية في الخارج .. لم يعر الأمر أهمية أو لم يشأ أن يشغل باله لفتيلة مشتعلة تتحرك بتؤدة ترتعش ظلال أشعتها المترنحة مضيئة ما حولها إضاءات غريبة ظلت تجيئ تذهب طيلة باحة الجامع الخارجية المشرفة على منحدر الوادي والعين وتالعينت تاقديمت أنِي تَتُّوفْتْ خالتي ( مريم ) وغيرها من الخالات والعمات كما زعموا ... قُلْ آللّهُمّـ مالكَـ آلمُلكـ تُؤتي آلمُلْكَـ مَنْ ْتشاء وتنزِعُ آلمُلكَـ مِمَّنْ تشاء نورٌ نورٌ يا رب الأنوار يا مُصرفَ آلأمور يا مُدَبِرَ الأزمنة والدهور يا مَن لا تشتبه عليه الآيات ولا تخفى عليه الأصوات وما يكمن في الأسرار يا خالق الكون وكائنات البراري والبحار أسألك أن تُصْرفَ عني شر ما لا قِبَلَ لي به من المخلوقات أن تحفظني من شرور ما يهب ويدب احرسني نَجني من جميع شياطين الجن والإنس يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ... لم يتوقف برهة عن ترديد مُحصناته بصوت خافت في البداية ثم لم يشعر إلا وهو يرفع عقيرته بقُل أعوذ برب الفلق .. ولا تأخذه سنة ولا نوم .. متحركا في جنبات المسجد لاجئا إلى زاوية قصية منه بعد أنْ تفاقم الوضع سوءا عندما بدأ الدبيب يسلك مسلكه مباشرة إلى الباب المواربة فَتَحَها ذاك الكائن الملتبس دون إحداث طقطقة أو صرير ما، مجرد هَزيز خفيف دلف منه ما دلف .. حدج جدي رؤاه في صريم ليل مُتقد بجدوة نار تسير دون توقف في رحاب المُصلى، ويبدو أن المتحرك لم يعر بالا للمتخشع الخائف المنزوي على مقربة من مجاله إذْ أكمل مساره من اليمين إلى اليسار حتى حاذاه، فَأدارَ " بَبَا حَدُّو " عينيه ووجهَه كي لا يرى ما لا يُرَى .. سلااااام من رب رحيم طبتم أُكْرِمتمْ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ .. تسبيحُه بين أصابعه كان يرتجف .. أتمم تلاواته الثابتة الموقنة دون انقطاع أو إظهار لما يعتريه من وجل .. وقف ذاك الضوء الغريب برهة وسط الطاق المقوس في الوسط، فأفسح له المجال جدي يفعل ما بدا له دون اعتراض أو عناد أو مناوشة ثم يا لعجب ما رأتِ العينان .. يَدااان .. بل يَدًا واحدة تعانق الضياء من شرفة انفتحت فجأة في السماء مُخترقة سقف المسجد ثاقبة الألواح والصفائحَ آلشداد .. لقد أبصرَ .. عاينَ .. شاهدَ .. هل هي يده هل يد الفقيه الذي حلّ دون أن يشعره بالقدوم هل هي جارحة أخرى لكينونة لا قبل له بها ؟؟ ما عاد يذكر ما عاد يدري ما عاد يفهم ما عاد يتبن شيئا .. ولعل ذاك الشيء بحاسته الغريبة استكان رُبما لِمَا كان يُتْلَى أو ظهر له شيء آخر يفعله في جهة أخرى أو ضرب صفحا عما كان يهم به .. أوْ .. أوْ .. أوْ .. لم يستغرق وقتا طويلا في الداخل إذ أكمل دورته ونورُ ما وراء السقف ينير سبيله بمزيد من آلضياء، وخرج بالطريقة التي دخل بها انصرف ينحدر عبر مسلك الأدراج تَقْفُو أثرَه يَدَاااه .. ثم آختفى كل شيء في الغلس .. الحمد لله .. طفق يردد جدي بينه وبين نفسه .. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .. لقد أسَرّ الأمرَ إلى ( العزيزة ) فنهرته من ذهابه لفجرياته وحيدا .. عمّرْ شواي أخام زالْ غَرْ داگسْ القُرَانْ دْعَا أكَدْ وَرَانشْ غيمْ أغِيمينّشْ أَجْ آديلين دينْ ميدّنْ عادْ سيرْ .. لكنه لم يمتثل أبدا لتعليماتها وتحذيراتها .. ماينْ خَسْ أديقوعنْ قاعْ نَتْشْنِي في حْمَا مُولانَا دَكْ أخّامْ ربي سْبْحَانَا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .. يُطَمْئن نفسه دائما .. لا نَصَبَ لا وَصَبَ لا أذَى لا عِدَا فالله خيرٌ حافظا وهو أرحم الراحمين ... آه .. لِمَ لَمْ تُرحَمْ مريمُ خالتي وهي بعدُ تتعثر في مشيها القليل المحدود في بداية دوامة حياتها فأصابها ما أصابها ؟ لِمَ تُركت عُرضة لإرادات شريرة تفعل في روحها الوئيدة المصائب الفضيعة ؟ ألم تك لها دعوات مستجابات ومحصنات ورعايات ؟؟ لمَ لا تُشفى ؟ أليس هناك سبيل إلى أولائك المُغَيَّبين عن أعيننا لا نفقهُ مداراتهم المحجبة ؟ لِمَ يمارسون سلوكاتهم الموحشة من وراء ستار ؟ لمَ يختبئون ؟ لم لا يبرزون كيانهم ؟؟ لم لا يخاطبوننا نخاطبهم بألسنة عجم أو سيان تُجَمجم تُعَبِر وآذان تصغي أو إشارات تلتقط تفهم ؟؟ ليقولوا ما يريدونه صراحة وسنرى ما يرومون وما نروم لِمَ لا تعن لنا تلك الكائنات الموحشة الخالسة لِمَ لا يظهرون .. ؟؟ .. ليظهروا ليظهروا ليظهرواااا ..

☆ إضاءات وترجمات :
_ أَغَلَّايْ بالامازيغية الوراينية مَقْراجْ باللسان الدارج المغربي : إناء معدني مزود بمقبض ( عروة ) وفتحة صب، يُستخدم خصيصا لتسخين وغليان الماء للوضوء ولتحضير الشاي والقهوة ومآرب أخرى
_ يَسِّيحْمَا أمان : سَخّن الماء
_ يَسْنّنْ القهوة : أوجدَ مشروب القهوة
_ سَوْجَدْ الفطور : هيأ وجبة فطور الصباح
_ تالعينت تاقديمت أنِي تَتُّوفْتْ : العين القديمة أين أصاب المَسّ خالتي
_ بَبَا حَدُّو : بترخيم الباء ، كذلك كنت أنطق اسم جدي والد والدتي في تواصلاتي واياه او مع بقية أهالي البلدة
_ العزيزة : الاسم الذي كنت أطلقه على جدتي والدة والدتي
_ عمّرْ شواي أخام : عَمِّرِ المنزل
_ زالْ غَرْ داگسْ القُرَانْ : صلِ به اقرأ في جنباته القرآن
_ دْعَا أكَدْ وَرَانشْ : ادعُ لأولادك
_ غيمْ أغِيمينّشْ : اقعد بالمنزل لا تبرحه
_ أَجْ آديلين دينْ ميدّنْ عادْ سيرْ : لا تذهب الى الجامع حتى يؤمه المصلون لا تكن الوحيد فيه
_ ماينْ خَسْ أديقوعنْ قاعْ : لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا
_ نَتْشْنِي في حْمَا مُولانَا دَكْ أخّامْ ربي سْبْحَانَا : نحن في حماية الله في رعايته سبحانه وتعالى



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اَلْعِيدُ وَالنَّاسُ .. تِلْكَ الْحِكَايَةُ الَّتِي لَا تُرِ ...
- عَجَبٌ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ
- آلَلَّا سِيدْنَا جَبْرَايَلْ ( نص سردي )
- اَلْجَنَازَة( نص سردي )
- نُفَاثَاتُ فَاء مِيم
- صَمْتُ الْحِمْلَانِ
- اَلطَّلْقَةُ آلْأَخِيرَة ... (قصة)
- سَمَاوَاتّ عَجْفَاء يَعُجُّ في أكْبادِها الخَواءُ
- فَمٌ شَاغرٌ مَفْتُوحٌ وَ ثَلَاثُ عُيُونٍ مُوَارِبَة
- وَرَفَعَ السَّيْفَ عَالِيًا وَأهْوَى بِهِ عَلَى الرَّقَبَة
- كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ
- أنَا مِنْ ذَاكَ آلتُّرَاب
- تَارْجِيتْ / رُؤْيَا ( قصة )
- إِلَّا تِلْكَ آلْبُؤْرَة آلْفَاحِمَة
- وإذا بي منتشيا .. أبصرُ أبصرُ أبصرُ
- اَلْعِيدُ آلْأُمَمِيّ ... (قصة)
- اَلاِفْتِرَاسُ آلْقَادِم
- فِي حِضْنِ حَمَأَةِ آلْحُشُود
- مزاجُ السّيد سِيكْلُوبْ
- أَنْفُثُ من حُشاشَتي غُصَصَ آآآه و .. اُوووف و .. تبا ..


المزيد.....




- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم
- مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - يَدَاانِ .. بَلْ يَدٌ وَاحِدَةٌ تُعَانِقُ الضِّيَاء