|
|
وَرَفَعَ السَّيْفَ عَالِيًا وَأهْوَى بِهِ عَلَى الرَّقَبَة
عبد الله خطوري
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 12:00
المحور:
حقوق الانسان
_ همزة : عيناه كانتا تذرفان شيئا ٱسمُه الخوف يكادُ آلوَدَقُ يطفرُ منْ وَجيبهما، رغم وقوفه سمهريا مديدا منتصبا ثابتا صلبا كسارية .. أحياء كالموتى هنا هناك حاضرون يرقبون ما يقع صامتين .. وُلد الإنسان هلوعا، بالعويل جاء مرغما بالعويل سيذهب، بالصراخ بالتقريع دوما يُشلحُ يُقْصَلُ يُعْدَمُ ...
_ عين : نحن الآن مع رواية : ( نجران تحت الصفر ) ليحيى يخلف .. صدرت فى بيروت عام 1967 .. تتناول واقع العلاقات العربية فى زمن الثورة اليمنية التى اندلعت ضد الإمام الذى كان يحكم اليمن قبل سقوطه، ويرصد الكاتب فى عبر شخصية " أبوشنان " مشاهد الذل والعبودية فى منطقة شبه الجزيرة العربية، فى مدينة ( نجران ) مصَورا ما تقوم به جماعة تطلق على نفسها ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر )، وتابعيها وعدد من حرس الأمير من أعمال عنف بٱسم القانون وتطبيق الحدود ... تدور أحداث الفصل الأول من الرواية في حارة ( العبيد ) أين يمتزج الرق بالبؤس والحاجة والعوز والفقر والمفقرين وهوام الذباب وأكوام القاذورات، ووجوه المسغبة والجوع والآفات كلها، أين يكثر الموسومون ب : “ المطوعون ” ، أعضاء تلك الجمعية المختصة بتطبيق أعراف الأمر بالمعروف .. وهذه الحارة في عين الكاتب ليست بعيدة جداً في أجوائها وبؤسها عن مخيمات اللاجئين كما عاشها، يشبهها بمخيم ( اليرموك ) في أجواء المطاردة التي تشبه ما حدث للفلسطينيين أو غيرهم من أصحاب القضايا في العالم العربي ... ( ١ ) في الساحة الواسعة التي تتحول إلى سوق مرة في الأسبوع، يجري إعدام المحكومين بقطع رؤوسهم، وجلد الذين يشربون الكحول، ورجم النساء الزانيات.. وعلى ٱمتداد الشارع تزدهر تجارة الأسلحة، والمعارك اليومية لا تتوقف بين قوات الإمام والقوات الجمهورية ... الفصل الأول كله بداية درامية دموية صادمة، عن طريق تقديم توصيف سينمائي مأساوي للحظة تنفيذ الاعدام في بلدة " نجران " بشبه الجزيرة العربية أواسط القرن العشرين، في حق شخصية ثائرة تسمى " اليامي " الذي كان يروم تحقيق التغيير والتقدم لمجتمعه وبلدته، لكن صلف طغيان السلطة رأى رأيا آخر كله سفك دماء وهدر لكرامة الإنسان .. حيثيات تنفيذ الإعدام ولحظته الباترة والسياف يهوي بسيفه القاصل على الرقبة الجاثية أمامه كلها جمرات حارقة بألف خاطر وهاجس في الرأس المرتقب أن تهوي الشفرة القاطعة على عمرها كله تُودي بتفاصيل البدن والنفس والروح والأحلام والأماني والرغبات والأزمنة الغابرة والآنية والتي يمكن أن تأتي في محتمل الأزمان إلى مهاوي مجاهيل قاتمة بضربة قاصمة .. تماما كمشهد المقبل على الإعدام الذي يرويه ( ميشكين ) في إحدى فصول رواية ( الأبله ) لدوستويفسكي ( ٢ ) .. رقاااب البني آدم عند هؤلاء الطغمة الظالمة الغارقة في دركات الظلام مجرد رقاب كباش في زريبة الحاكم تفعل بها ما شاءت رعونته ونزقه ونزواته وميزاجه المتقلب في صبيحات وأضاح وأصائل وأفجر ذات غبش بلا روية بلا إعمال فكر بلا حق بلا قانون بلا شرع بلا شعور بلا إحساس بلا إنسانية .. كراهية ٱجتمعت في قلوب هؤلاء " آلجاهليييين " الجدد القدامى مشبعة ببغض وحقد وجبروت وتعسف وكراهية وٱنعدام خلق، وموات ضمير، وبوار إيمان، ما لهم من حب الانسان وآحترامه وتقديره إلا شعاراات جوفاء ليس إلا، ( ٣ ) فأنى لهم الإحساس بما يمور داخل نفوس وحلوم المقبلين على لحيظة الإماتة الناقِمة ... _ دال : إذا بدأنا تصفح رواية ( نجران تحت الصفر ) ليحيى يخلف سنقرأ ما يلي ... { أقبل المطوعون وطلبة المعهد الديني وأعضاء جمعية الأمر بالمعروف وحرس الأمير والخويان وباعة المقلقل وسيارات الونيت وعدد من مرتزقة بو طالب وواحد من الزيود .. أقبل الغامدي شيخ مشايخ التجار وسمية عبدة السديري سابقا وبائعة الفجل حاليا .. أقبل أحمد شاهي الطبيب الباكستاني في سيارة الإسعاف وأطلت من الدريشة غالية إبنة السميري قائد قوات الإمام ومن مطعم الحصري خرج أبو شنان الذي أطلق سراحه حديثا لأنه أفطر عامدا متعمدا في رمضان، ورفع مدير مكتب الإشراف هاتفه واتصل بالمدرسة المتوسطة فانطلق الصبية عبر شارع الزيود إلى الساحة الواسعة التي تتحول أيام الاثنين إلى سوق من أسواق العصورالوسطى، وتقافز الصبية والطلبة فوق أكياس المستكة والبهار والحبهان والمحلب والمروحة والحناء .. ودفعة واحدة .. صمتت بيوت نجران .. تسلل السكون إلى أزقتها ومنعرجاتها وملأ فجوات الأبواب وشقوق النوافذ, أحاط الناس بالساحة الواسعة من جميع الجهات وصعد الذين ضاقت الساحة عن استيعابهم إلى سطوح المنازل التي تبدوا كقلاع تنتمي إلى عصر ما .. قال أبو شنان وهو يضع المسواك في فمه كالسيجار : ( يا ويلي .. اليوم سيذبحون اليامي ) .. كان أحد الزيود إلى جانبه يمضغ القات بلا مبالاة فيما تقدمت سمية السمراء وقالت : أنا فدى عيونك يا يامي أنا فداك قال أحد المطوعين : صل يا ولد صل غصت الساحة بالناس أكثر فأكثر غصت بالوجوم والترقب والتوقعات .. أخرج أبو شنان المسواك من فمه وتذكر الألم الذي مزق أحشاءه عندما شرب زجاجة الكولونيا بعد أن عزت الخمرة وقال لنفسه أن المرارة التي تملأه في هذه اللحظة أشد ألما حتى من ضرب الخناجر المعقوفة .. شدت سمية أحد المطوعين من كتفه وقالت بغضب : إيش عمل اليامي .. هه .. إيش عمل ؟ أزاح المطوع يدها وقال دون أن ينظر إليها : اليامي مخرب يتصل بالجمهوريين ! مسح الغامدي لحيته بباطن كفه بشرود وقال كأنما يخاطب نفسه : يستاهل كل من يخرج على طاعة السلطان ! قام أحد المشايخ عن الكرسي وأجلس مكانه الطبيب أحمد شاهي الذي ظل عابسا وهو يحمل حقيبته بقرف مؤكدا أنه غريب الوجه واليد واللسان .. ظل الزيدي يمضغ القات بشرود بينما أصابعه تفرك الريالات الذهبية في جيب ثوبه الفضفاض ويحلم بأصفهان .. امرأة تلهث على صدره تسقيه من رضابها .. يشربها مثل زجاجة ويسكي مثلجة في أبو رشاش .. قالت الخادمة رباب القادمة لتوها من صعدة بلدة السميري : صكي الدريشة ياغالية .. ذلحين يجي السميري ويحصل مالا تحمد عقباه.قال أبو شنان ذات يوم بعد أن تعتعه السكر ( غالية بنت السميري لها عينان مثل عيني الغزالة التي أرضعت بن ذي يزن.ثم إنه في اليوم التالي دفع عشرين ريالا لرباب لكي تبلغها ذلك فضحكت غالية وقالت - بتهافت - : هذا الولد خبل مايعرف الليل من النهار، صكي الدريشة ياغالية ذلحين .. وي .. وي .. المستر ينظر إليك بالمنظار .. صكي الدريشة يا ابنة الاشراف.كان ستيفن هايدن أو المستر كما يسمونه في نجران يقف على ظهر سيارته الروفر ويلتقط صورا بالكاميرا المتحركة أغلقت رباب النافذة وقالت بلا مبالاة : متى يذبحون اليامي وننتهي من شره.ارتسم غضب هائل على وجه سمية فصرخت بصوت مبحوح : ها .. أنت .. إيش تفعل يا ذاك النصراني ؟ رفع المطوع خيزرانته في وجهها مهددا بشكل جدي وقال : اسكتي ياعبدة السوء هذا معه أمر بالتصوير من الأمير طال عمره.نقل أبو شنان المسواك إلى زاوية فمه وقال باستفزاز : اسمع يا مطوع .. الشيخ يقول إن التصوير حرام كيف يسمح الأمير كيف ؟ تحول المطوع إلى أبو شنان ورفع عليه خيزرانته : إيش تقول يا كافر .. والله لولا الحَد الذي سيقام على اليامي لفرشتك على الأرض وجلدتك مائة جلدة.قال الغامدي يخاطب نفسه : متى ينتهي الأمر ويكون اليامي عبرة لمن اعتبر.ظلت أصابع الزيدي تلعب بالريالات الذهبية في جيبه وظلت المرأة تتسرب إلى تلافيف دماغه مع خدر القات ودبيب النعاس الصعب. قالت سمية تخاطب عددا من الناس حولها : أنا أعرفه يا جماعة لقد أرضعته من ثديي يوم ان لسعت العقرب أمه كان أهله يسكنون معنى في الأخدود اليامي مظلوم.فجأة وقف الجالسون وتقافز الناس على أكتاف بعضهم البعض، اشرأبت عنق الغامدي وفتحت غالية النافذة غير عابئة بكاميرا المستر وتملك الزيدي صحو مفاجئ وشعر أبو شنان بحاجة لجرعة واحدة من أردأ أنواع الخمور.أما سمية فقد أخذ قلبها يغوص .. توقفت سيارة البيك اب الحمراء فأحاط بها الجنود وتقدم رجلان وقفا عند بابها الخلفي .. انحبست الأنفاس وفجأة انفتح باب السيارة الخلفي عن اليامي وجه منحوت من الصخر وعينان ثابتتان حول الرقبة قيد تتدلى منه سلاسل تتصل بقيود رسغيه وقدميه .. كان الصمت هائلا ومثل حجر الطاحون ثقيلا.ظل المستر يسلط عدسته على العينين .. تقدم الرجلان وأمسكا بذراعي اليامي، انتتر فاصطدمت حلقات السلاسل ببعضها البعض ودفعة واحدة أنزلاه إلى الأرض فارتطمت قدماه بالتراب ذي الرائحة المحروقة .. جحظت عينا سمية وبدا كما لو أنها فقدت النطق وفي رأس الزيدي إختلط الحابل بالنابل والأبيض بالأسود والغبار بأوامر بو طالب وخنجر الإمام بحذاء الولد الشمري.دفعه الرجلان فمشى اليامي في الساحة ببطء ينقل قدميه بصعوبة ترافقه خشخشة السلاسل.وسط الساحة تنفس بعمق ثم استدار مواجها العيون الصامته المأخوذة، فبكى أبو شنان وتذكر عنترة إذ السهم في خاصرته وهو يتوكأ على رمحه ولهيبته تتراجع الجيوش الغازية وقال لنفسه : الولد اليامي يموت ولا المهانة.جاء مندوب الأمير يرافقه الشيخ يرافقهما كاتب المحكمة .. قال مندوب الأمير شيئا وقال الشيخ شيئا أو بعض الشيء ثم نشر كاتب المحكمة ورقة طويلة وأخذ يقرأ بصعوبة.قالت غالية السميري لرباب : ذلحين يطقون راسه أغلقت رباب النافذة وقالت : لا تنظري حتى لا يصيبك الخفقان صمتت غالية السميري وألصقت أذنها بخشب النافذة .. أسرعت رباب ووضعت إسطوانة طلال مداح على قرص البيكاب فانطلقت يا سارية خبريني عما جرى. وقف الطبيب أحمد شاهي ونظر إلى اليامي دون أن يفتح حقيبته ثم هز رأسه لمندوب الأمير كما لو أنه يخبره بأن كل شيء على ما يرام.وعند ذلك استبدل المستر الفيلم الذي انتهى بآخر جديد وأعاد تصويب كاميرته بينما حديد غطاء الروفر يطقطق تحت قدميه. ( والله يا أبو شنان إنك تدفع كل عمرك من أجل اليامي ولكن ما باليد حيلة وغدا لن تجد في الكأس سوى دمعة واحدة تظل تكبر حتى يمتلئ الكأس بالنشيج ) القات اختمر ومن جديد عز النعاس الصعب واختلط الحابل بالنابل والعويل بحجر المسن وصراخ بو طالب برضاب أصفهان وصحن المقلقل بالعصيدة المرة.فجأة ظهر المارد ... لا أحد يعرف من أين وكيف لكنه ظهر وسط الساحة يلبس سروالا خفيفا وصدره العاري يكشف عن عضلات بارزة.ظل قلبها يغوص وقالت سمية : هذا هو الجلاد وفاضت عيناها بغزارة.اقترب أحد المطاوعة وعصب عيني اليامي الذي ظل يحتفظ بتماسكه وان كان لونه قد أخذ يشحب بينما قام رجل آخر بفك القيد الذي يحيط برقبته أشار مندوب الأمير فتقدم رجل يحمل سيفا عريض النصل وشت آنحناءة الرجل بثقله هجم المارد على السيف حمله بذراعيه ثم سحبه من قرابه فالتمع النصل إذ لامس أشعة الشمس وتوهج قال الغامدي لنفسه : هذا السياف عندما يرى الدم سوف يصيبه الهيجان وربما يذهب ضحية ذلك الكثير من الخلق فلماذا البقاء ؟ أمسك المارد بالسيف وبدأ يتفحص ثقله ثم رفعه وأخذ يطعن الهواء كما لو أنه ينازل عدوا حقيقيا. انحبست الأنفاس أكثر فأكثر وانكمش اليامي مثل عصفور تنغرز أظافره بأسلاك الهاتف.انتهت الإسطوانة فقالت غالية وهي تنظر إلى خشب النافذة المغلقة : عجبا .. ما هذا الصمت.اقتربت رباب وفتحت النافذة بقدر يسمح لعينيها بالنظر وقالت : المارد يقف بانتظار إشارة الأمير وبعد لحظات ينفصل رأسه عن جسده وأعادت آبنة السميري إسطوانة يا سارية من جديد .. جحظت عينا أبو شنان كأنما ذهبت السكرة وجاءت تماما الفكرة كان الناس حوله ينظرون برعب وخوف.أشار مندوب الأمير بيده، صار القات مرا كالعلقم، أحس الزيدي ببراغيث عقله تتطاير، استمرت يا سارية خبريني تدور وتدور وانتقل المسواك بعصبية في فم أبو شنان .. رفع المارد سيفه عاليا، شهقت العيون، انكمش العصفور برعب كأنما هبت موجة عاتية لاقتلاعه فاستماتت أظافره في أسلاك الهاتف هوى السيف فاختلط الحابل بالنابل والأسمر بالأحمر والبارد بالساخن شخب الدم ولكن لم يتدحرج الرأس.أغمض مندوب الأمير عينيه وارتسم فزع لا يطاق على وجه أحمد شاهي لقد أصاب نصل السيف أعلى الكتف .. صرخ اليامي من أعماق جمجمته بصوت مثل صرير الأسنان وبدا مثل ديك ذبحوا منه الوريد فهاجت حلاوة روحه وانطلق يبحث عن عراء .. قفز في الهواء فشدته القيود والسلاسل، ارتمى على الأرض يرتعش مثل جناح الديك في آخر أنفاس هاج المارد مثل موجة عاتية شدد الحراس من تماسكهم حول الحلقة ومنعوا الناس من التدافع .. هتف أبو شنان بكل ما في أعماقه من قهر : أنا فدى عيونك يا يامي .. أنا فداك .. انتفخت عروق المارد وأوداجه وفتحتا أنفه وهو ينظر إلى الجثة، ودفعة واحدة رفع السيف عاليا وأهوى به على الرقبة .. فاختلط الحابل بالنابل والمحسوس بالمجرد والأحمر بالتراب والزيدي بحذاء الإمام والمستر بطلال مداح وأبو شنان بغضب الرب ... }( ٣ )
_ ألف : يبدو من المقطع، أن مشكلة الإعدام قد توارت شيئا ما الى الوراء لتفسح المجال إلى ما هو أشنع وأفضع : الطريقة الوحشية التي يتم به هذا الإعدام، فبالإضافة إلى حشود جمهور الحاضرين وسادية المراقبين، يبدو الجلاد عاشقا متعطشا لسفك دم المعدوم بهمجية عامرة بالحقد والغل كأنه يثأر أو ينتقم أو يقتص أو يتلذذ أو يُنفس عن مكبوتات نفسية أو كل ذلك وغيره في لحظة واحدة، ملقيا عن نفسه لباس " وظيفة " منفذ الإعدام يؤدي فيها مهمة فحسب، ليتقمص دور سادٍ ڤمْبيري يستمرئ بوقاحة سمجة إراقة دم إنسان بطريقة لا ترتاح فيها سريرته الا برؤية رأس الضحية يتدحرج مفصولا عن بدنه، وإذا آستعصى الأمر من الوهلة الأولى لسوء في التقدير وخلل في المهارة _ كما حدث في المقطع أعلاه _ فإن نيران أباليس الأسفلين تركبه ليغدو ثورا هائجا همجيا لا تهدأ سَورته إلا بعد معاينة رأس المعدوم مقصولا أمامه تماما كما كان حال جماهير فرنسا بعيد " ثورتها " المزعومة التي سالت بذِكر وحشية دمائها الركبان ( مصير ماري آنتوانيت مثالا ) ( ٤ ) .. فيكتور هيجو ذبَّج مثل هذه اللحظة في قصته ( آخر يوم لمحكوم بالإعدام )، وإميل زولا في ( جيرمينال ) لما كتب عن تمرد العمال واختلاط الحابل بالنابل على رأي صاحب رواية ( نجران تحت الصفر ) .. بل إن رواية " الزيني بركات " لجمال الغيطاني عالجت الإعدام نفسه في زمن المماليك، في علاقته بالسلطة الحاكمة التي تظل ماسكة بزمام إصدار الأحكام والإشراف على تنفيذها بما لا يدع مجالا لمنافستها في أمر تراه مطلق آختصاصها خشية تخرج الأمور عن السيطرة، وتغدو عملية التنفيذ اعتباطية فوضوية تماما كما يحدث في الحروب الأهلية وصراع العصبيات الإثنية .. السلطة في رواية ( نجران تحت الصفر ) حاضرة علنا في واضحة النهار تستدعي جمهورا من كل حدب وصوب لمعاينة عملية تنفيذ ما يرونه ( قصاصا ) أو ( حدودا )، فيتحول المشهد الخاص جدا الى استهلاك عام جماعي فرجوي لغايات كثيرة في عقل السلطة يعلن عن بعضها وتتم مداراة الكثير منها خاصة تلك المتعلقة بإرهاب غير المعدومين بجعلهم في قائمة لائحة الانتظار ان هم خرجوا عن الطاعة .. الإعدام في مثل هذه الحالة النشاز يغدو جريمة في حد ذاته، جريمة في حق إنسانية الإنسان لما يُفرغ ( القصاص ) من محتواه ومقاصده وغاياته ويحول إلى أداة تمرر فيها السلطة قناعاتها السلطوية التعسفية بآستعراض بطش قوتها وجبروتها أمام مناوئيها ومعارضيها ومؤيديها سيااااان .. هو إعدام سياسي تعسفي في بدايته ونهايته لكل الطبقات الاجتماعية والأعراف والقوانين .. قطع رؤوس الأشقياء في الساحات العمومية لا علاقة له بالمسماة ( عدالة )، إنه قطع الصلة مع كل يمت للإنسان والإنسانية بصلة، وطمس ومسح لكل المُثل والقيم الأخلاقية، ودعوة عنيفة دموية للمجاراة والتأييد والمساندة والتصفيق تماما كما كانت تعلق رؤوس العصاة على أبواب مدننا القديمة ليعاينها الداخل والمغادر، وكما كان ديدن حشود القطعان وهي تتابع بسادية جماعية مناظر قصل رؤوس الأشقياء في أوروبا وغير أوروبا ( ٥ ) .. الإعدام يغدو والحالة هذه سِمة وخصيصة تميز حاكمين شموليين ديكتاتوريين _ الذين يظهرون سلطتهم في العلن أو من وراء ستار _ لا مفر لهم من فرض طقوسها إن هم أرادوا الاستمرار في سلطتهم المتسلطة النافذة .. الإعدام ليس، كما السجن والنفي، عقوبة سالبة للحرية فقط، بل هو ممارسة سلطة قوة قاهرة نافذة سالبة للحياة كلها بكل ما يرتبط بهذه الحياة من تفاصيل وآحتمالات للعيش وأقدار كان يمكن أن تكون لو لم يتدخل جبروت المبجل المدعو ( إعدام ) .. الإعدام لدى السلطة الحاكمة أو ما لف لفها من قوى غير إنسانية مرتبط آرتباطا حميميا بالظلم السياسي والاجتماعي والقهر الاقتصادي .. الإعدام في رواية ( نجران تحت الصفر ) ليس حدثا سرديا عابرا، بل بؤرة نواة رئيسة لقضية إنسانية فلسفية وأخلاقية عميقة، تزيح الغبش واللبس عن هذه الممارسة الماضاوية المقرفة التي يراد لها الاستمرار في أزمنتنا الحاضرة والمستقبلية، الشيء الذي يقصل في مقتل مبادئ العدالة وكرامة الإنسان وحقه في الحياة ..
_ ميم : إن لحظة تنفيذ الجلاد لمهمة ( الإعدام ) تؤشر للحظة وجودية فارقة في حياة الإنسان المسلط عليه هذا الإفناء القسري .. بالنسبة للسياف هي لحظة كغيرها من لحظات روتين عمله اليومي أو الأسبوعي أو ... أما بالنسبة للمنفذ فيه الحكم هي لحظة أخيرة سينقطع بُعَيْدها هسيس توالي الشهقات والزفرات.. لقد أشار الفن بأنواعه إلى هذه اللحظة الوجودية الفارقة بما تثير في النفس من خواطر وأحاسيس وتأملات وتساؤلات في ماهية كينونة الإنسان من أين إلى أين ولماذا في مسار وجودي اتفق على تسميته " حياة " التي بدأتها شقاوة سلالة آدم بسقطة أولى بميلاد صارخ أعقبته سقطات متتاليات، حَلَّتْ هكذا نزلت دون بَرد وسلام أو حق في الاختيار، كقدر حتمي يهوي باترا يخسف مسار الأعمار .. الميلاد حسب تواصلنا اللغوي هو سقوط بامتياز ( مسقط الرأس ) .. هذه اللحظة التي حسبناها أولَى كانت سقوطا منذ بدايتها الأولى، فهل تكون اللحظة التي نخالها " أخيرة " نهوضا أو محاولة قيام من هذا السقوط أو بعثا لشيء ما يمكن أنْ يكون ميلادا جديدا .. وكيف يتسنى لهذا الميلاد المفترض والمأمول في ( لحظة النهاية ) تحقيق غاية الانبعاث المرجو في ظل ظروف تنفيذ سلخ الأرواح من أبدانها سلخا قسريا سلطويا، ليغدو المجيء الى المزعومة ( حياة ) قهرا جبريا، ويمسي الرحيل منها حكما ساديا يسنه حاكم جائر يحكم به قاض موظف ينفذه جلاد هائج وتتابع عرضه الفرجوي حشود من المغفلين ليس إلا .. ( ٦ )
_ هوامش : _ ١ _ فى ملحق الرواية ذكر الكاتب أنه عمل مُدرسًا فى تلك المدينة التى رأى أنها تنتمى للعصور الوسطى في كل مناحي عيشها، وجنود الإمام فيها متسلطون يفعلون ما بدا لهم لا حسيب ولا رقيب يمضغون القات يشربون الويسكى دون أنْ يقام عليهم حد أو يقع فيهم قصاص، والتجار والأمراء يتزوّجون من أربع، ولا تغفل أعينهم عن اقتناص الغلمان، ومعهم يكثر القتل الخطأ أو العمد والإصرار سيان .. ( من صفحة 113 - 127 من الرواية ) _ يحيي يخلف عاش في نجران ، درس أطفالها وحكى مع عجائزها وشيوخها. يقول عن نجران ما سجلته الذاكرة : ” هنا عالم خرافي لا يمت إلى جدة وعماراتها العالية وسياراتها وأميراتها. هنا عالم ينتمي إلى القرون الوسطى. التجار والسماسرة وقوات الإمام المرتزقة ، والمطاوعة والغلمان والنساء المضطهدات وحارة العبيد “ ...
٢ _ إن قَطْعَ رأسِ المعدومِ يتم في لحظة يُضْجَعُ المحكومُ عليه، فيهوي على رأسه نَصْـلُ آلة يسميها الفرنسيون مقصـلة، نصـلٌ ثقيل قوي يفصل الرأسَ عن الجسم فورا.لكن الشيء الأليم الفظيع انما هو الاعدادات .. قراءة قرار الحكم بالاعدام .. الباس المحكوم عليه .. ايثاقه بالحبال .. اصعاده الى الصقالة .. تلك هي البرهة الرهيبة !والجمهور يحتشد ... لقد كان المحكوم عليه في ذلك اليوم رجلا يبدو عليه أنه لا يهاب و لا يخاف، رجلا ذكيا، قوي الجسم ، ليس شابا صغيرا بل هو ناضج السن.حين اعتلى الصقالة كان يبكي، وكان شاحب اللون كورقة ذابلة ... ما الذي يحدث للنفس في تلك الدقيقة ؟ ما هذه التشنجات التي تصير اليها ؟هذه اهانة للنفس ليس الا ... ان الآلام والجروح و الوجع الجسمي والألم الذي هو أشد الآلام قوة قد لا يكون ألم الجروح، بل الألم الذي ينشأ عن يقين المرء من أنه بعد ساعة ثم بعد عشر دقائق ثم بعد نصف دقيقة ثم الآن فورا ستترك روحُه جسدها ... وحين يضع رأسه تحت المقصلة البتَّارة، وحين يسمع انزلاقها فوقه في ربع الثانية ذاك .. انما يشعر المرء بالخوف الأكبر ... " _المصدر : رواية "الأبله" دوستويفسكي _ترجمة "سامي الدروبي" _مراجعة .. أبو بكر يوسف _المجلد الأول صفحة 51 _ 52 _طبعة دار "رادوغا" عام 1985 الاتحاد السوفياتي
_ ٣ _ الفصل الأول من رواية : ( نجران تحت الصفر ) ل ( يحيى يخلف )، من صفحة 5 إلى صفحة 12 .. الطبعة الرابعة / عام : 1988 / دار الآداب / بيروت
_ ٤ _ ( في الساعة الخامسة صباحا وبينما كانت ماري أنطوانيت ماتزال تتابع الكتابة .. ابتدأت طبول النداء تقرع في قطاعات باريس الثمانية والأربعيين.وفي الساعة السابعة كانت القوى المسلحة وقوى المُشاة بأجمعها على أهبة الاستعداد.وسُدّتِ الطرق الرئيسة والجسور بمدافع على أهبة الانطلاق.وفيما تمركزت قوى الفرسان متجمعة في صفيْن متقابليْن .. كانت شراذم من الحرس تجتاز المدينة طُولا وعرضا مشرعة السلاح.ولقدعُبئت كل هذه القوى العسكرية لمجابهة آمرأة وحيدة ماكانت لترغب بشيء سوى الموت !! إن القـوة أحيانا تخاف من ضحيتها أكثر مما تخافها الضحية ) _ من رواية "ماري أنطوانت" للكاتب النمساوي ستيفان زفيج / ترجمة نقولا قربان ونديم مرعشلي / صفحة 402 / طبعة 1 / عام 1960 / دار العلم للملايين / بيروت ...
_ ٥ _ المقصلة أمست لحظة رعب يومي في فرنسا تفتك من أجل الفتك وإظهار القوة وجبروت حكم السلطة في وجه الجميع، وكانت فرصة سانحة لتصفية الحسابات القديمة والجديدة بمحاكمات صورية شكلية وتأييد جماهيري يصفق ببلادة ووحشية لعمليات التنفيذ ... ثم إن ما فعله آلغرب الأوروبي " المتحضر" من جرائم في حق شعوب آلأرض بأصولها هو ما سماه فلاسفتُهم بقانون الانتقاء آلطبيعي الذي لخصه نيتشهُمْ ب : اقهرِ الضعفاء واصعد فوق جثثهم .. والنتيجة عالم وحوش لا يطاق ...
_ ٦ _ هذه الأسئلة الوجودية طرحَها الكثير من الأدباء في أعمالهم، ومنهم من جعل لحيظات قبيل الإعدام رصدا نفسيا استعاريا كما فعل "سارتر" في قصته : "الجدار" و " ألبيركامو " في روايته الفائزة بنوبل : " الغريب " و " فيكتور هيجو " في قصته الرائعة : " آخر يوم في حياة محكوم بالاعدام" والروسي صاحب " الأبله " و " الجريمة والعقاب " و " الإخوة كرامزوف " فيدور دوستويفسكي الذي عَـبّـرَ عن اللحظة في أكثر من مقام في رواياته و( ستاندال ) قبيل تنفيذ الحكم في حق شخصيته الرئيسة " جوليان سوريل " في روايته ( الأحمر والأسود )، و( شارل ديگنز ) في ( قصة مدينتين )، و( جورج أورويل ) و ( كافكا ) ووووزو .....
#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ
-
أنَا مِنْ ذَاكَ آلتُّرَاب
-
تَارْجِيتْ / رُؤْيَا ( قصة )
-
إِلَّا تِلْكَ آلْبُؤْرَة آلْفَاحِمَة
-
وإذا بي منتشيا .. أبصرُ أبصرُ أبصرُ
-
اَلْعِيدُ آلْأُمَمِيّ ... (قصة)
-
اَلاِفْتِرَاسُ آلْقَادِم
-
فِي حِضْنِ حَمَأَةِ آلْحُشُود
-
مزاجُ السّيد سِيكْلُوبْ
-
أَنْفُثُ من حُشاشَتي غُصَصَ آآآه و .. اُوووف و .. تبا ..
-
دِيلِيغْ، جُرْعَةٌ وَاحِدَة لَا غَيْر (قصة)
-
اَلسَّعَادَة آلْأَبَدِيَّة ... (قصة)
-
يَرْحَمْكْ اللهْ آسِيدِي ... (قصة)
-
الرَّغَايَا ... (قصة)
-
فاطِمَا المُونَضَا ... (قصة)
-
عُقْلَةُ آلأصبع ... (قصة)
-
تِيرْجَا/حُلْمٌ ... (قصة)
-
اَلنَّهْضَة ... (قصة)
-
قَرعُ آلْمَمْسُوحِ ... (قصة)
-
وأَنْبِسُ آمِيييين رُبَّمَا
المزيد.....
-
الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال
...
-
برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني
...
-
العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل
...
-
القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف
...
-
78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس
...
-
الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل
...
-
يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف
...
-
العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر
...
-
الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي
...
-
مناقشات خليجية بريطانية لتذليل المعوقات المتعلقة باتفاقية ال
...
المزيد.....
-
اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا
...
/ محسن العربي
-
مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي
/ عبد الحسين شعبان
-
حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة
/ زهير الخويلدي
-
المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا
...
/ يسار محمد سلمان حسن
-
الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نطاق الشامل لحقوق الانسان
/ أشرف المجدول
-
تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية
/ نزيهة التركى
-
الكمائن الرمادية
/ مركز اريج لحقوق الانسان
المزيد.....
|