|
|
اَلْجَنَازَة( نص سردي )
عبد الله خطوري
الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 13:59
المحور:
الادب والفن
وبدأتِ الجموع تتبادل التحايا بارتباك واضح للعيان يسلمون يتعانقون يعزون يستفسرون .. كل ذلك في لحظة واحدة سريعة متلهفة لسماع حيثيات ما حدث ..
_ سلااام مَامْشْ تْييمْ مالابَاسْ غَرْوَنْ إيوَى البرَكَا فْ راسكم الحمد لله قَاعْ نَّغْ آشْتيلينْ .. ( كيف هي أحوالكم أأنتم بخير رحم الله المرحوم الحمد لله على كل حال مصابنا واحد لله ما أعطى ولله ما أخذ )
فرادى وجماعات يتلاسنون سؤال الأحوال .. التقى أهل ( كَوان ) وأهل ( الفحص ) .. التقى أهل شَاتْ وتْزيوَى وأصحاب عرس أمسِ (١) .. التقت الخؤولة بالعمومة التقى الدم بالدم التقى الجوار بالجوار في مشهد جنائزي مفجع أحيى ما كان قد اندمل من جراحات أحزان عالقة لازالت القلوب المكلومة منفطرة برحيلها المباغت، نسمات عابرة وُلدَتْ ولم تعشْ، في ذروة الحياة آخْتُرِمَتْ الأنفاسُ .. مازال الناس يستحضرون بحرقة صور الموت الجماعي للصغار والفتية الشباب، نعش في الذهاب نعشٌ للإياب، جموع تحفر، أخرى تدفن، وأخرى تغسل على عجل تكفن، وآخرون أيديهم على قلوبهم ينتظرون، وآخرون يدعون يُصلونَ كذا من صلاة في اليوم الواحد أو يجمعونها جثتا متراصة مصطفة .. صلاة واحدة في لحظة واحدة .. يوزعون المهام بينهم كي لا تبيت الجنازات في ديار أصحابها؛ وكان عليهم أنْ يقفوا يبيتون يقظين يحرسون مدافنهم من هجمات الحيوانات البرية المتوحشة، فيعمدون لمزيد من الاحتياط إلى تعميق الحفر وتسقيف اللحود بنوع من الحجارة الصوان ينحتونها ملساء مصمتة يثبتون جنباتها بعجين طين لازب سرعان ما يعلق يغلق جميع المنافذ والفجوات؛ كانوا يسرعون لاهثين يذرعون المسافة بين الدور والجامع والمقبرة باختصار شديد تَعْلُو سماءَهم حشودٌ من أسراب طيور جارحة تتحين فرصا تُتاح من أجل .. كان ذلك بالأمس القريب في عام لْكُولُونْ الفرنسيس ( لُوبا ) والمسغبة التي فتكت بالأعالي وبطاح وسهول ( لوطا ) كلها (٢).. كذلك سمعوا كذلك تناقلت الألسن حكايا الموت الزؤام ...
أوووه .. اكتظَّ المكان بالمشيعين القادمين من وراء الثابوت تحمله أكتاف عسكريين يرتدون زيَّ الكاكي الصيفي يشرفون على المراسيم ينجزون مهمتهم وِفقَ طقوس سربيس ألفوا التقيد بقوانينه الصارمة، فلا مجال للخروج عن القواعد في مثل هذه الظروف، فهم يطبقونها بحذافيرها كما هي مكتوبة في التعليمات، وعليهم أن يقدموا تقريرا مفصلا عن كل شاردة وواردة طيلة مسارهم من .. إلى .. هاهي أكتاف فتيان البلدة تعينهم في حمل الثابوت الثقيل .. لا إله إلا الله .. الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ... ناكسي رؤوسهم يرددون ... ولما آشتد وطيس حزن النسوة وآزداد نحيبهم، أُسْكِتُوا بحزم وتعنيف ورفق؛ ولترضيتهن، سُمِحَ لهن بمرافقة الجنازة الى المقبرة بشرط آلتزامهن الهدوء، فانخرط الكل في مسيرة واجمة واحدة منحسري الرؤوس كأن على أقنانهم الطير مستعجلين الخطى كأنهم يطؤون الأشواك وأسنة الحصوات، يحوقلون يضربون الأكف ببعضها يستغفرون يتصببون عرقا يمشون تحت أشعة رمضاء رمضان محرقة يلوحون بأيديهم يطمسون حشرات دقيقة غير مرئية، لا يبالون، ساهمون فيما هم فيه، يستعيذون يوحدون يدعون، ولمَّا تَزُلْ بعدُ معالم الصدمة والحيرة عن موقهم وحلومهم وردود فعلهم .. وجعلتُ أتفحصُ وجوه الحاضرين المنشغلين بتسوية الدفن تحت ظلال السنديان، فألفيتُ أغلب صور رؤايَ بارزة أمامي .. هي هنا .. هي هناااك .. غير أنه لمَّا أبصرُ السماء المتلألئة الشفافة، ألفيهم أطيافا صافية بدَعة ورواء تنتقل من مجال لمجال غير مستعجلة أو مستنفَرَة أو مفتونة، ولما أؤوبُ الى ما يحدث قدامي، أجدُ القنوط والقطوب مخيميْن على المحاجر المغضنة والجباه المجعدة، والوجوم ناشرا حجبه على المقل والرؤوس والسحنات .. بمجرد أن يخطر شخصٌ أعرفه في رأسي ويبرق فكرة واضحة ثابتة حتى يعنّ من حيث لا أعلم أبصرُهُ في مشهد غير مشهد الجنازة وضاء باسما ضاحكا أو منهمكا في عمل ما أو لاهيا .. ويبدو أن الذين في الجنازة قد استغرقتهم مشاغل المراسيم، فهم عني لاهون منشغلون؛ ولستُ أدري لِمَ لَمْ أتعجبْ من رؤية أمي وثلة من أشقائي الصغار بين الحاضرين .. كيف جاؤوا، متى وصلوا من مدينة الشرق، مَنْ رافقهم في مجيئهم الى الأعالي بسرعة لافتة .. الأصغر على الظهر تحمله تهدهده كعادتها .. هْدَا يا هْدَا يا هْدَا .. الصغير يلعب في التراب الظليل ينبش يستخرج ديدانا دقيقة يلقمها ما يشبه حرباء وضعها على كتفه ساكنة جامدة لا تستجيب لإلحاحه، وآخر بعيد هناك يعدو يركض وأقرانا له يناورون جديان حديثة الميلاد ... لم أسأل، لم أتساءل كأن وجودهم ها هنا مع الآخرين والأخريات أمر عاد بديهي لا غرابة فيه، اكتفيتُ باستقبال الصور المتحركة تترى في المشهدَيْن معا حريصا أنْ لا أتوغل أكثر من اللازم في أحد منهما لئلا أشرد عن واقعي ولا أؤوب إلى حمأة سفاسف قيل قال طالما ضقتُ ذرعا بها؛ لم أجازف، لم أجرؤ على المبادرة او المغادرة .. جالسا بقيتُ رصينا فوق الصهباء الطيعة أتأملُ بحياد إلى العالَميْن أتابعُ ما يفعلون .. أزاحوا الراية الحمراء من على الصندوق الخشن الأسيل، ثم على مهل، أخرجوا المرحوم وضعوه وسط نعش جامع البلدة .. مكفنا كان بثوب أبيض انتشرتْ في جنبات منه بقع حمراء قانية شفافة .. تحلقوا حوله ينظرون .. ظللتُ بعيدا مخافة أنْ ...
_ خالي .. ماذا وقع .. ؟؟؟ ..
قلتُ هكذا في الخواء، فأتاني صوته المألوف جليا رقراقا ...
_ شي باسْ ما كان ...
_ يقولون إنكَ هنا في هذا النعش في تلك الحفرة سيهيلون عليك التراب ...
_ تَطُّوقَّسْ العْمارْتْ آخالي .. والوا باس .. (٣) _ هل تتألم ؟
_ تَفَّاغْ العْمَارْتْ آخالي والو باس ..
_ وتلك البقع خالي .. هل هي دماء ؟؟
_ بقايا دنيا لا غير ...
_ هل ستكون وحيدا ؟
_ ها أنت ترى ها شَكِّنتينْ تَقَّالتْ إنك تبصر الآن ماذا ترى ...
_ لا شيء خالي .. لا شيء ..
كان يخطر خيلاؤُهُ بأمن بأمان بلا كفن بلا دماء بلا عصاعص مدعوسة بلا كسور بلا ألم بلا آثار تشنجات بلا موت، مفعما بالحركة وجأش الحياة .. كان سعيدا خالي .. الله يهنيك .. قال لي .. تْهَـلا دي تَامْغيرْتْ نش سْيوْطَسَنْ السلام نربي .. أردت أن أقول شيئا أو أشياء، فصمتتُ .. دعني الآن إنهم يستعجلون .. قال دون أن يحرك شفتيه .. صحتُ في العراء .. مَنْ هُمْ مَنْ .. لا جوااااب .. مددتُ ذراعيَّ الى سماء مشعشعة بالأنوار .. لا جوااااب .. فتركته يذهب إلى ما وراء وراء غيوم تحجبها غيوم .. هَـــااااا .. أشارتْ يدااه، ثم مبتسما غاص في الغياب .. فتحتُ عينيّ رجعتُ أتابعُ طقوس الجنازة لا أنا بالقريب من القريب ولا أنا بالبعيد من البعيد وغصة حانقة تحفر حلقي تخنق شهقات لي أضحت بلا زفرات أختنق أختنق أخ أخ أخ ....
☆ترجمات : ١ _ شَاتْ و تْزيوَى : شَاتْ العرس الذي يقيمه أهل العروس .. تْزيوَى الهدية التي تقدم في حفلات الأعراس ... ٢ _ لْكُولونْ الفرنسيس : الاستعمار الفرنسي _ لوبا : الوباء _ لوطا : السهول ٣ _ تَطُّوقَّسْ العْمارْتْ آخالي .. والوا باس : لقد وقع ما يُتَوَجَّسُ منه قضي الأمر ولا بأس في ذلك
☆ تأطير الصورة الوثيقة المرفقة بالنص أعلاه : الصورة بثكنة بلمهيدي وجدة نهاية سبعينيات القرن الماضي، من ضمن الحاضرين فيها خالي رحمه الله تعالى محمد ازوين المعروف في بلدة الفحص عند عوائلنا بموحند اوحدو توفته المنية في احدى المهمات العسكرية خرجة من الخرجات مشاو سربيس للجنوب وفي طريق العودة الى وجدة تعرضت الجيب التي كان بها رفقة سائقها لحادث سير مروع بطريق افورار بني ملال أودى بحياته وهو في ريعان حياته كان ذلك صيف يوليوز رمضان سنة ١٩٨٢ يوم الاثنين وكاس العالم في ذروته اذكر هذه التعالقات وغيرها لانها راسخة في حناياي لا تبرحني منذ ذاك العهد ولا أنسى رسالته التي خطها بيده كان قد أرسلها الى والديه بالفحص لكنها لم تصل الا بعد وفاته وكنت انا من تسلمها وظللت محتفظا بها لم أشأ ان أعمق جراح الحزن بالفقد وهي بعد لم تندمل فلم أظهرها لمن يهمه الامر الا بعد مدد من الوقت ليعاينها من أرسلت اليهم ...
#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نُفَاثَاتُ فَاء مِيم
-
صَمْتُ الْحِمْلَانِ
-
اَلطَّلْقَةُ آلْأَخِيرَة ... (قصة)
-
سَمَاوَاتّ عَجْفَاء يَعُجُّ في أكْبادِها الخَواءُ
-
فَمٌ شَاغرٌ مَفْتُوحٌ وَ ثَلَاثُ عُيُونٍ مُوَارِبَة
-
وَرَفَعَ السَّيْفَ عَالِيًا وَأهْوَى بِهِ عَلَى الرَّقَبَة
-
كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ
-
أنَا مِنْ ذَاكَ آلتُّرَاب
-
تَارْجِيتْ / رُؤْيَا ( قصة )
-
إِلَّا تِلْكَ آلْبُؤْرَة آلْفَاحِمَة
-
وإذا بي منتشيا .. أبصرُ أبصرُ أبصرُ
-
اَلْعِيدُ آلْأُمَمِيّ ... (قصة)
-
اَلاِفْتِرَاسُ آلْقَادِم
-
فِي حِضْنِ حَمَأَةِ آلْحُشُود
-
مزاجُ السّيد سِيكْلُوبْ
-
أَنْفُثُ من حُشاشَتي غُصَصَ آآآه و .. اُوووف و .. تبا ..
-
دِيلِيغْ، جُرْعَةٌ وَاحِدَة لَا غَيْر (قصة)
-
اَلسَّعَادَة آلْأَبَدِيَّة ... (قصة)
-
يَرْحَمْكْ اللهْ آسِيدِي ... (قصة)
-
الرَّغَايَا ... (قصة)
المزيد.....
-
رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة
...
-
فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض
...
-
الجهةُ التي بكى فيها الله
-
محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق
...
-
هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا
...
-
كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
-
ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية
...
-
كشف تفاصيل علاقته برمضان.. محمد دياب: هذه حكاية فيلم -أسد-
-
العين العربية مؤجلة.. ندوة في معرض الدوحة تحفر في علاقتنا با
...
-
كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|