|
|
نُفَاثَاتُ فَاء مِيم
عبد الله خطوري
الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 19:31
المحور:
الادب والفن
وتذكرتُ وأنا أسردُ في خيالي المتداعي سلسلة فواجع البلدة والجوار، مُعَلَّقا بين النوم واليقظة المعذبة، موغلا رأسي الصغير بين وسادتَيْن حَادبتيْن رغم صلابتهما، تذكرتُ طيفا فَحْصِيًّا (١) آخرَ من أطيافنا المُجَـرْجَرة في حياة تَدُوسُ المُقبلين عليها دَوْسا، تقرعهم وتثخن في جراحاتهم المتناثرة ... لقد كانت هناك في كل المرات التي كنتُ أقطعُ فيها تلك الطريق العامرة بأسراب الليل والنهار منفردا أو بمعية رفقة ما، كنتُ ألحظُ طيفَها العابرَ فوق التلة التي تفصل بلدة ( الفحص ) وتلة (اللملاما ) (١) .. كانت تذرع المرتفع حافية أو منتعلة صندلةَ ميكا مرقعة ممزقة حائل لونُها غير مبالية بعثرات كثيرة تعرقل مسارها الأثيرَ .. تخبُّ الخطى بسرعة لافتة كأنها في مهمة مستعجلة تنط تتفادى أكوامَ الدوم وحُزَمَ الديس ( آدْلَسْ ) و حلفاء ( آري ) وحسك خشاش مخلفات الصيف برشاقة طفلة في العاشرة .. خصلاتها السوداء المتمردة من جنبات منديل رأسها آلمنحسر إلى آلخلف تتهادى يمينا شمالا وفي كل الجهات، ولم تكن تشغل بالها بتسوية مثل هذا الوضع الذي قد يبدو نشازا في بلدتنا الصغيرة .. فقط ترفل خطاها قُدُما إلى الأمام شامخة المحيا مدثرة بكسوة مرقطة بالأزرق والأبيض .. هكذا علقَتْ في ذهني وفي ذاكرتي .. حمامة يعانق بياضها الشفيف زرقة أديم السماء .. لم تكُ تَلْوِي على شيء .. لا مهمةَ مضبوطة أو محددة لتواجدها الحركي النشيط بهذه الربوع في فترات متباينة من نهارات الصيف المديدات .. كانت هناك فقط مقبلة تارة من فضاءات عمتي ( الزهْرَة ) قاصدة ( أخَّامْ نسنج الخوارب ) أو العكس .. ذلك ديدنها ذلك قدرها .. تجيئ تذهب وتؤوب في مسلك واحد دون عياء أو بَرَم أو كلل .. وفي كل المرات التي لاحظتُ خيالها هناك، كنتُ أعَاينُ عصًا تمسكها يُمناها تُلَوِّحُ بها كما اتفق في الهواء تهش زاجرةً خيالاتٍ تراها هي وحدَها صارخة بنبرات مبحوحة لا معنى لها أو أنني لم أك أفهم ما يصلني منها ما عدا همهمات شاحبة حادة غاضبة زاعقة ساخطة سرعان ما يخبو وقيدُها اللافح القارح ضائعا في فيافي فراغاتِ بستان ( تاشراراشت ) (٢) وهضبة ( البرقوق ) و تلال اللوز ( لَلْوَازْ ) وأطلال مقابر دورٍ يبابٍ في أسفل المنحدر ٱنهارتْ معالمُ الحياة فيها لم يبقَ فيها ولم يبق منها سوى رُكااام حجارة نكرة مهملة مترَبة ميتة مُكَوّمَة على بعضها البعض يعشعش فيها البوم والهوام وترقد في ثناياها الرمادية فُتاتاتُ سُموم العذاب .. هل كانت تتعذب وهي تفعل ما تفعل ؟؟ هل كانت تعي ما تفعل ؟؟ هل كانت تدرك مسارها اليومي المزمن من إلى ؟؟ هل كانت تفقه شيئا من أحوالها وأحوال ما يحيط بها ؟؟ هل كانت تفكر تتأمل تحس وتنتبه لما تحس ؟؟ تفرح ؟؟ تقرح ؟؟ تتألم ؟؟ هل هل وهل ؟؟؟ أسئلة ظلت معلقة دون إجابات في ذهني القاصر المحدود كجسد كسيح مكدود طفق يتدلى من أنشوطة بداية الإعدام دون أنْ تجهز على حتفه متانة الحبال، ودون أنْ يدع له مجالا للحياة جبروتُ الأقدار .. هي بين الحركة والحركة، بين زلزلة وارتعاش بين صياح وصراخ غير مستقرة غير ثابتة في المكان .. دائبة الاهتزاز .. لا تقف _ إذا وقَفَتْ _ إلا لتسترد الأنفاس وتعاين الأجواء واضعة راحتها فويق جبهتها أفقيا في شكل قلنسوة تُذْهِبُ عن عينيها حدة وهج ظهيرة أو ذهب أصيل أو آحتضارات مغيب ترنو للأنحاء تتفقد مسار الخطوات أو ما يمكن أنْ يُسْفرَ عنه الأفق القريب أو البعيد من بُرُوزٍ لِعابري سبيل ( إيمْـسَـبْرِيـدَنْ ) جوابي الطرقات هنا أو هناك ...
_ آهْيَاا آهْيَااا شَكنتين .. آهيااا .. شمنتين .. آهْيااا شانْوي .. هَااايْ هَااايْ هـــاااايْ ... (٣)
تجأرُ تردد أصداء هتافاتِها ذُرَا القمم ( إيشَّاون ) المحيطة بأودية وبطاح البلدة، فأحسُّ للحظة من اللحظات أن الكون توقفَ في وهن وخشوع ووجوم يسترد نَفَثَاتِه الأخيرة قُبَيْلَ قيامته الكبرى ... كانت هناك تتبعها حيرتي تردداتي ومخاوفي وهواجس افتراضاتي وخيالاتي وتكهنات تتناسل تَطْفِـرُ من كل حدب وصوب ينسجها قُليْبيَ الواهنُ المشفِقُ العالقُ بتلابيب المرأة الهائمة ... إنها ( فاء ميم ) يَلِيسْ ابنة أحد أبرز فقهاء المشارطين في القرية، حفظتُ على يديه سُوَرَ : " الرحمن، الواقعة، سَبّحَ ... " التي ٱحتجتُها في آمتحان الشهادة الابتدائية ... ذاك نعتُها ذاك أبوها ... حكاية أخرى من حكايات حرائق بلدتنا .. حكايات حيواتنا العابرة الصاخبة بالأسرار ... وفكرتُ في قراراتي الغاضبة فَـكّ لغز هذا القدر، قدرها الذي لا يهدأ له بال؛ وسألتُ في هدوء كل شخص كل رجل كل امرأة كل مَن ترتاح له نفسي ويثق في حكمته وحَصافته عقلي الصغير؛ وبعد سلسلة من المناورات والمراوغات، استطعتُ أن أستخلصَ نوعا من الإجماع على عدم قول أي شيء ودفن الحقائق كيفما كانت _ خصوصا تلك المتعلقة بالفحص والفحصيين، فليست توجد رغبة أو إرادة خالصة في حكي الأحداث وسرد خبايا ما وقع ويقع في السراديب المعتمة .. فقط يُسمحُ بمعرفة النتائج التي كانت تبدو للعيان، وعلى المرء أنْ يعاينها ويتعايش معها دون السماح له بمعرفة أسبابها ومثيراتها، وأي محاولة للنبش في تُراب حَميمية البلاد يُقَابَلُ بالصمت والتهرب والكتمان والتعنيف .. إن مَنْ يعرف شيئا هنا يقفل عليه كَسـِرٍّ شخصي يدفن تفاصيله وخطوطه العريضة كي لا يكشفه أحد .. قَلْبُ البلدة مقبرة عميقة برُكاااام هائل من جُثت الأسرار المحنطة وغير المحنطة، أسرار الحياة والموت وما بينهما .. هناك شبه تواطؤ بين الأجيال المتعاقبة على هذا الأمر بٱتفاق ضمني غير معلن أو مصرح به، وكل جيل يَرْحَـلُ يُرَحِّـلُ معه تفاصيلَه الخاصةَ .. أفراحه أقراحه نزواااته الطائشة والأشجان كلها؛فقط بعض المستملحات من قبيل ما كان يتحدثون به في اللقاءات العامة والحفلات واللامّات الموسمية هي ما كان يمكن ويُسمح للسائل معرفته، بالإضافة إلى تلك الحكايا المتواترة والمشتركة بين القبائل والتي يختلط فيها الواقع بالخيال، والتي يمكن سماعها في كل مكان دون خطوط حمراء أو نقط بياض أو فراغات لمحذوفات ما؛ وكان شيئا طبيعيا ونتيجة لمثل هذا التوجه الجماعي الواعي أو الكامن في مغاور النفوس أنْ تموتَ الكثير من الحقائق بموت أصحابها والأجيال التي عاشتها ... ذاك هو الديدن، تلك هي عادة البلدة والجوار، فضاء شاسع واسع بلا حدود تحد آمتداداته الطبيعية، لكن أفق المكاشفة فيه ضيق جدا في حجم لَحْدٍ من لُحود المقابر التي هناك بين عرصة ( ألْمو ) ووهدة ( بولرباح ) … مِن كل ما سمعتُ، أدركتُ أن أمر الحكاية وتاريخ حياة هذه المرأة وخصوصية حَميميتها وغيرها ممنوع كشفه لسن صغيرة كسِني أو لكل مَنْ لم يعايشها ويعش فترتها ويعاين دقائق تحولات حياتها .. لمعرفة الأشياء في بلدة الأعالي، يجب أن تكون ضمن تفاصيلها اللحظية مشاركا في أحداثها أو شاهدا من شهودها وإلا .. ففضولك للمعرفة والكشف غير مُرَحّب به جُملةً وتفصيلا، وأي رغبة لفَك الأطواق عن ما لا يُطاقُ من المكامن والأسرار يُجَـابَهُ بحِدّة ٱنفعال ورفض صارمَيْن أو مُناورات ومُجاملات وتسويفات تخبئ وتخفي أكثر مما تبوح وتعلن ... إنها ٱمرأةٌ من شعاب الجبال ظلتْ عالقةً بين تلة اللملاما والفحص هذا ما كان ( آنْدَاكِّـيلَانْ ) .. تذهب تجيئ في سعي حثيث بين صَفَوَاتِ ومَرْوِ ( نَـتْمُورتْ ) .. هكذا رأيتُها في الواقع، هكذا رأيتها في الأحلام والكوابيس .. تُـلَوِّحُ يدُها اليُمنى بعصا تضرب بها الهواء كيفما ٱتفق، وأحيانا تلقي حجارة عشواء في وجه شخوص أو كائنات لا تظهر إلا لعينيْها .. لا تكلم أحدا .. تناجي نفسَهَا نفسُهَا .. تكتفي بالغُـدُو والرّواح دون آنقطاع، دون ضجر، دون تعب .. كنت أرنو إليها هناك معلقة وكفى ... كل ذلك في صمت خانق للأنفاس، للأسئلة، لمحاولات المعرفة، للرغبة في الإدراك والفهم ... وكنتيجة حتمية لنوع المعيشة التي تُعاش هنا، فإن التوجس والخوف يطوق الرؤوس والهامات، فينكفئ الناس على ذواتهم يترقبون ما ستسفر عنه الأيام والليالي .. لا جديدَ .. لاحدثَ يقعُ يغير إيقاع الدوّامة التي تعيشها البلدة .. حياة تُولَـدُ في البساطة تشقى في البساطة وتموت فيها على مهل .. وحدهم الأطفال والأهْوَكون والمجذوبون وذَوُو الخصاصة العقلية ومَنْ هُم على هامش قارعة الحياة مَنْ يجرؤُ على قول شيء ما والتعبير عما يخالجهم دون ٱكتراث بأحد، لكن محاولاتهم هذه جُوبهتْ طيلة سنين بأكوام من الأعراف الزاجرة الهادفة إلى الحد من كل ما يمكنه زعزعة الاستقرار الوهمي للجماعة ... إن الشعور بالأمان هو الشيء الأساس هنا، وأي إحساس أو رغبة تستشعرها القبيلةُ خطرا على هذا الشعور تُجَابَهَان بحَـزْمٍ صارم قاس يوغل في الاقصاء والعزل والتهميش .. هكذا فسرتُ الأمر وأنا أتابع بوجع حالات كثيييرة لحيوات فحصية تحتضر ِمـئاااات المرات قبل الاحتضار الأخـيــر ..
☆ إضاءات وترجمات :
_ النُّفَاثَةُ : ما يُلقَى من فم المصاب بداء السّلّ توالت النفاثات من فمه أثناء احتضاره، ومن الشعر قول الشاعر الشريف المرتضى : خذوا من كلامي اليوم زفرة زافر ... وأنّةَ مَكْروبٍ ونفثَةَ نافثِ ١ _ فحصيا : نسبة الى بلدة ( الفحص ) أين تدور الأحداث ، وهي قرية صغيرة بمرتفعات الأطلس المتوسط بالمغرب _ الملاما : تلة بجوار بلدة ( الفحص ) ٢ _ تاشراراشتْ : الشلالات ٣ _ آهْيَاا آهْيَااا شَكنتين .. آهيااا .. شمنتين .. آهْيااا شانْوي .. هَااايْ هَااايْ هـــاااايْ .. : ياااا أنتَ ياااا أنتِ ياااا أنتم واااه واااه ...
#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صَمْتُ الْحِمْلَانِ
-
اَلطَّلْقَةُ آلْأَخِيرَة ... (قصة)
-
سَمَاوَاتّ عَجْفَاء يَعُجُّ في أكْبادِها الخَواءُ
-
فَمٌ شَاغرٌ مَفْتُوحٌ وَ ثَلَاثُ عُيُونٍ مُوَارِبَة
-
وَرَفَعَ السَّيْفَ عَالِيًا وَأهْوَى بِهِ عَلَى الرَّقَبَة
-
كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ
-
أنَا مِنْ ذَاكَ آلتُّرَاب
-
تَارْجِيتْ / رُؤْيَا ( قصة )
-
إِلَّا تِلْكَ آلْبُؤْرَة آلْفَاحِمَة
-
وإذا بي منتشيا .. أبصرُ أبصرُ أبصرُ
-
اَلْعِيدُ آلْأُمَمِيّ ... (قصة)
-
اَلاِفْتِرَاسُ آلْقَادِم
-
فِي حِضْنِ حَمَأَةِ آلْحُشُود
-
مزاجُ السّيد سِيكْلُوبْ
-
أَنْفُثُ من حُشاشَتي غُصَصَ آآآه و .. اُوووف و .. تبا ..
-
دِيلِيغْ، جُرْعَةٌ وَاحِدَة لَا غَيْر (قصة)
-
اَلسَّعَادَة آلْأَبَدِيَّة ... (قصة)
-
يَرْحَمْكْ اللهْ آسِيدِي ... (قصة)
-
الرَّغَايَا ... (قصة)
-
فاطِمَا المُونَضَا ... (قصة)
المزيد.....
-
-فجأة- فيلم ياباني عن المسنين ينافس على السعفة الذهبية
-
تجارب رقمية وإصدارات تربوية.. كتب الأطفال تخطف الأضواء في مع
...
-
مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -
...
-
مقاومة بالضوء.. محاولات لبعث السينما اليمنية من تحت الركام و
...
-
لم يكن تعاونه الأول مع المخرج محمد دياب.. ماجد الكدواني ضيف
...
-
نصوص سيريالية مصرية مترجمة للفرنسية(مخبزُ الوجود) الشاعر محم
...
-
-أسطول الصمود-يكشف هشاشة الرواية الإسرائيلية!
-
مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن
...
-
مهرجان كان: المخرج الإسباني ألمودوفار يصف ترامب وبوتين ونتان
...
-
مع عميد الصحافة الاستقصائية محمد خاتم.. كيف يتحول التحقيق ال
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|