أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - عَجَبٌ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ















المزيد.....

عَجَبٌ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:05
المحور: الادب والفن
    


يزعق عبد السلام في كل اتجاه يحاول ضبط قطيع الماعز التعس الذي عَـنَّ من لا مكان هاربا من هول عاصفة صيف مباغتة؛ ولحسن حظه كانت العنزات والعتاريس تلج زرائبها لوحدها متخذة مواقعها المعهودة، بينما استغرقت إناث الخرفان وذكورها تائهة بعيدا تحت شجرة سنديان كبيرة أسفل الوادي مِمَّا جعل الراعي يتوجس مكروها من حيث لا يحتسب، لكنه احتار بين نجدة القطيع وبين إنقاذ محصول الشعير والقمح وكرسَانَّـا (١) المركون في جنبات البيدر. ودون الاغراق في التفكير، وبسليقيته البدوية، أسرع يجر لفائف من البلاستيك السميك انتشلها من غرفة واطئة معتمة تُستعمل لمَبيت العُجول وإيداع ما لا يُحتاج إليه من أدوات ومواد ومخلافات فلاحية ...

_إفُونَاسَنْ أدْبرَنْتْ خِي خْفَنْسَنْ .. لَّانْ طُورَا دَگْ ايشَّاوَنْ نَتْغَرْضينْ بَعْدَنْ بَـزَّافْ خْ لاَفَاتْ ... (٢)

قالها حائرا مرتبكا هاشّا بكتفيْه إلى الأعلى، ثم خطاها خطوات واسعة سريعة تحت وابل المطر، حتى إذا وصلت قطرااااات ( آنْزَارْ ) بيدرَ ( آنْـرَارْ ) راحَ يلف هنا يدور هناك يُدثر المحاصيل بحُـزَمٍ عَقَدَهَا كي لا تتسرب الأمواهُ الى حبات سنابل ( تَـادْلُويـنْ ) ...

_ هاديكْ هاديكْ آلالَّا مُولاَتِـي آمُولاَتْ لَعْوَايَـدْ ..!!.. (٣)

كان يَحُومُ حول البيدر في مهمته المستعجلة مستثارا لا ينفك عن الصياح ...

_ أنْـغَادْ أنْغَاااادْ .. طاحَتْ البَرَكَـا في النَّادَرْ .. أزيــزْدَكْ زِيــزْدَكْ ..!!.. (٤)

وما هي الا لحظات حتى أنهى ما خُيل إلَـيَّ أنه مستحيل الانهاء، وراح دون انتظار أو التقاط للأنفاس يهبط عقبة ( طَاسْطَرْتْ ) جهة قطيع نعاج وُوللِّــي المتهاون المتكاسل المستسلم لمصيره دون يبذلَ كبير جهد للإفات من حتمية الأقدار الجارفة .... جعلتُ أتابع المشهد من فجوة نافذة ضيقة لإحدى الغرف المديدة التي تطل على الوادي ... إناث الخرفان وذكورها، ( إيخْفَـاوَنْ نْ تيخسي، إيخَرفيينْ ) وكثيرٌ من حملان الربيع الفائت ظلتْ مثل أنعام مريضة ( آمْ إيموحَالْ نيهَلْشَنْ ) ضعيفة صامتة واجمة تتداخل رؤوسها في أذناب بعضها البعض، تتوغِـلُ أبدانها المنكمشة تحث شجرة وارفة حادبة لم تستطع رغم رحابة أفنانها أن تستوعب كل تلك الحشود المكوَّمَة في سكون تحتها، وعبثا حاول الشقي يسوسَها ويهديها الى الصعود نحو القمة .. كان يلهث يلوح يضرب يصرخ يرمي بالحجارة وبما اتفق يقرأ اللطيف يلعن أبا الزمن وهشاشة الحَول والقوة ... ولما اشتد وابل الأمطار وكثرت مياه الوادي، لم يستطع شيئا .. مكثَتْ هناك رابضة تضرب بأرجلها الأرض المبللة وتكتفي بوقوفها تحت الشجرة تحدج أسفلَها ترنو ناكسةً رؤوسها الى آلصَّبيبِ المتفاقم المتصاعد تحتها تتشمم أصواف بعضها في فتور ووُجُوم .. وفي لحظة، غمرت المياه كل الأنحاء وانقطع الطريق عن الطريق وساخت القوائم والأرجل تباعا تغرق تغرق تغر ... تَغْ ... غْ ... غْ ...
... اَلْحَرْبُ تُعَلِّمُ آلإنْسَانَ مَا لا يَعْلَمُ .. آآآ لْبُـومْبْ آآآ لْكُورْ آآآ لڭـَرْنادْ .. تَطُّوقَسْ لَعْمارَتْ دَڭْ زليفْ يَمْخَـاطَـا وُولْ يَقْطَـا لَعْـنادْ ... كان يهذي عبدالسلام ... (٥)

أحسستُ رأسي ثقيلا فوق رقبتي وقلبي خفاقا لا يكاد يستقر وَجيبُه بين جوانحي ... وخطر لي أن أهم بفعل شيء ما، أي شيء يفيد ويساعد، لكني ترددتُ عاقدا الجبين شاخص البصر تتجول عيناي برعب في المروج المغمورة جهة الوادي الهادر الصاخب .. كانت السيول الجارفة تتدافع بقوة من المرتفعات شاقة طريقها عبر الشعاب تطمس كل شيء تصادفه أمامها مباشرة نحو المنحدرات وبقايا الأودية القديمة التي بدأت تلتقي مع بعضها مشكلة سيولا أكبر فأكبر فأكبر ... هرولتُ جهة الباب .. جمدتُ في العتبة .. صَمْتٌ مطبق .. لا صوتَ يعلُو على صوت العاصفة .. لا حَسيسَ لكلاب الدار ( إيمَحْرَاسَنْ )، لا لعلعة لذكور الماعز، لا شهيقَ لا زفيرَ .. كل الخلائق منكمشة في جحورها تنحدر بأبدانها ورؤسها في انتظار مرور هذا العَجَب القادم من السماء ... عُدْتُ أدراجي الى كُـوَّتِـي، ودون تفكير وجدتُني وحجمي الضئيل نَختلس المرور عبرها، وفي لمح البصر، انقذفنا خارجا .. اِنبطحتُ كيفما اتفق دون كبير أذى لأن المسافة بين الفجوة والأرض لم تكن بعيدة، وظللتُ واجما أتأملُ جبروت الأمطار تفعل فعلها في الحياة واللاحياة ... تراجعتِ البروق والرعود خفتْ حِدَّتُـها، لكن الأمطار ظلت تتهاطل بالوتيرة نفسها مخلفة سيولا في كل مكان تتسارع في ماسورة السطح الخشبية ( تْشْفَـايَفْ ) المركبة في جوانب أعلى الدار ( سَنّجْ إيوَخَّامْ ) والممتدة عبر ميازيب ( تِزَرَّابينْ نْ وَسْطِيحْ ) بشكل مائل يُمَكِّنُ من تصريف المياه وعدم تجمعها هناك .. اِستغرقتُ واقفا لاجئا تحت إحدى تلك السقائف أستظلُّ تحت عريشها ويدي على قلبي من هول ما وقع ويقع وسيقع ... نعم، للصواعق هنا وقع آخر غير ذلك الذي عهدناه في أي مكان .. انها قريبة جدا من هاماتنا من أسقفنا .. سَمواتُها سَمواتُنا وسحنتها تشبه سحننا .. يتخللُ ركامُ السحب السوداء والبيضاء ذُرَا القِمم بحِممٍ ثائرة تنزل بهدوء الى الفجاج والبطاح تعتلي أفنان وشماريخ الأشجار تسيح هنا هناك غير عائبة أو مبالية .. كل شيء في تلة ( اللملاما ) مستسلم راضٍ صامت خاضع متضرع ... وحده الراعي عبدْالسلام يجأر بالصراخ وقد اعتلى رابية يرنُو بحسرة الى استسلام قطيع ( إيموحالْ ) الأشقياء المغلوبين على أمرهم، والسيول تتقاذفهم في كل اتجاه، تلقيهم، ترميهم على حَفافي آلمنحدرات .. تلتصق الأبدان بصوفها الثقيل المبلل بالطين اللازب دون حراك .. وبينما استغرق الحائـرُ يَجْــأرُ ...

_ تِــيجْـنَـاوْ أيَـمَّـا هْـوَانْـتْ خْ لَـعْـرِي دِي زَلْـفَـانْ .. لا يَطِيلْ يَقِّييْم لا شَايَـطْنِينْ .. كُولْشِي يَضَّاعْ .. وَخْمَنْتْ لَبْهَايَمْ يْـرَاحْ أوسَكَّـاسْ .. أورْغِيلَغْ سُولَنْتْ أدي يَقْطَانْتْ وُوللِّي أدْفَرْغَنْ وُوسَّانْ آش يجران آعبسلام آش يجران تيتْ ايغنان ... (٦)

ظل التيار الهادر يَسْخَرُ يدفع المصائرَ الجامدة قُدما أمامه يجرفها التدافع المتراكم المتلاطم المتصاعد المزدحم المتمردُ على الضفاف وأشباه الضفاف في اتجاه واحد دائما ... كانت رحلةً مجنونةً خارقةً، حريق من نوع آخر يَـهْوي ثم يَهْوي صوبَ آلمنحدرات ...

☆ترجمات :
١ _ كرْسانَّا : نبتة من القطاني من الفصيلة البقولية تشبه العدس في شكلها الخارجي تستعمل لعلف الماشية ..
٢ _ إفُونَاسَنْ أدْبرَنْتْ خِي خْفَنْسَنْ .. لَّانْ طُورَا دَگْ ايشَّاوَنْ نَتْغَرْضينْ بَعْدَنْ بَـزَّافْ خْ لاَفَاتْ : لتدبر البقرات أمرها هي بعيدة هناااك في شعاب الهضبات في مأمن عن العاصفة ...
٣ _ هاديكْ هاديكْ آلالَّا مُولاَتِـي آمُولاَتْ لَعْوَايَـدْ : عبارات يرددها الدارسون في البيدر يحثون بها دواب الدرس لتستمر في دورانها ...
٤ _ أنْـغَادْ أنْغَاااادْ طاحَتْ البَرَكَـا في النَّادَرْ أزيــزْدَكْ زِيــزْدَكْ : صياحات يصيح بها الدارسون في البيدر تصف بحماس ما يحدث فيه من وطيس حركة الدواب
٥ _ .. آآآ لْبُـومْبْ آآآ لْكُورْ آآآ لڭـَرْنادْ .. تَطُّوقَسْ لَعْمارَتْ دَڭْ زليفْ يَمْخَـاطَـا وُولْ يَقْطَـا لَعْـنادْ : البومب ، الكور، الگرناد : مجموهة من القنابل ... تَطُّوقَسْ لَعْمارَتْ دَڭْ زليفْ : أصابت القذيفة الرأس، اشارة الى المصيبة التي يحسها الراعي ... يَمْخَـاطَـا وُولْ يَقْطَـا لَعْـنادْ : حل الحمق والعته وتراجع العناد ... اشارة الى النهاية المحتومة ....
٦ _ تِــيجْـنَـاوْ أيَـمَّـا هْـوَانْـتْ خْ لَـعْـرِي دِي زَلْـفَـانْ لا يَطِيلْ يَقِّييْم لا شَايَـطْنِينْ كُولْشِي يَضَّاعْ وَخْمَنْتْ لَبْهَايَمْ يْـرَاحْ أوسَكَّـاسْ أورْغِيلَغْ سُولَنْتْ أدي يَقْطَانْتْ وُوللِّي أدْفَرْغَنْ وُوسَّانْ آش يجران آعبسلام آش يجران تيتْ ايغنان : هوت العواصف على الرؤوس والعرصات لا داليات ظللن وارفات لا عناقيد غضة بالأفنان لا شيء البتة كل الخيرات راحت والبهائم ساحت هلكت ما كنت أحسب الأيام تسحقني ما كنت أخال الزمن يخذل بي تبا لك عبدالسلام تبااااا ...



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آلَلَّا سِيدْنَا جَبْرَايَلْ ( نص سردي )
- اَلْجَنَازَة( نص سردي )
- نُفَاثَاتُ فَاء مِيم
- صَمْتُ الْحِمْلَانِ
- اَلطَّلْقَةُ آلْأَخِيرَة ... (قصة)
- سَمَاوَاتّ عَجْفَاء يَعُجُّ في أكْبادِها الخَواءُ
- فَمٌ شَاغرٌ مَفْتُوحٌ وَ ثَلَاثُ عُيُونٍ مُوَارِبَة
- وَرَفَعَ السَّيْفَ عَالِيًا وَأهْوَى بِهِ عَلَى الرَّقَبَة
- كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ
- أنَا مِنْ ذَاكَ آلتُّرَاب
- تَارْجِيتْ / رُؤْيَا ( قصة )
- إِلَّا تِلْكَ آلْبُؤْرَة آلْفَاحِمَة
- وإذا بي منتشيا .. أبصرُ أبصرُ أبصرُ
- اَلْعِيدُ آلْأُمَمِيّ ... (قصة)
- اَلاِفْتِرَاسُ آلْقَادِم
- فِي حِضْنِ حَمَأَةِ آلْحُشُود
- مزاجُ السّيد سِيكْلُوبْ
- أَنْفُثُ من حُشاشَتي غُصَصَ آآآه و .. اُوووف و .. تبا ..
- دِيلِيغْ، جُرْعَةٌ وَاحِدَة لَا غَيْر (قصة)
- اَلسَّعَادَة آلْأَبَدِيَّة ... (قصة)


المزيد.....




- الأدب المقارن بين التأصيل النظري وتعدد القراءات الثقافية في ...
- أكاديميون ينتقدون -إلسيفير-ستانفورد-.. مؤشرات علمية أم أدوات ...
- المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى ...
- هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في ...
- مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر ...
- الفنان المصري إدوارد يحتفل بزفاف نجله ماركو
- محمد سعيد أحجيوج: لهذا تسقط الرواية العربية في فخ الأيديولوج ...
- لماذا تتضارب الروايات الإيرانية والأمريكية حول الاتفاق الوشي ...
- فيلم -FJORD- يفوز بالسعفة الذهبية.. إليكم جوائز مهرجان كان ا ...
- بيت المدى يستذكر صاحب - المنعطف -..جعفر علي عراب السينما الع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - عَجَبٌ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ