أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - العشُّ الأول للحرية














المزيد.....

العشُّ الأول للحرية


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 00:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ازدهرت حديقةُ بيتنا بأعشاش الطيور، وكأنّها إعلانٌ صامت عن حقِّ الكائن في أن يختار لنفسه زاويةً لا يصلها ضجيج العالم.
وفي الزاوية نفسها، تحت الطاولة، كان أحفادي يبنون خيامهم الصغيرة من الأغطية، يختبئون فيها بفرحٍ غامض، كأنّهم يكتشفون للمرة الأولى معنى أن يكون للإنسان عالمٌ يخصّه وحده.

لم يكن المشهدان منفصلين.
فالعشُّ عند الطير، والغطاء عند الطفل، والغرفة عند الأسرة، ليست سوى صورٍ متعدّدة لحقيقةٍ واحدة:

الإنسان لا يبدأ حريته من الساحات، بل من الملاذ.

فالطير لا يبني عشَّه ليهرب من السماء، بل ليملك فيها نقطةَ انطلاق.
وهنا يقترب المعنى من الفكرة الوجودية عند جون بول سارتر:
فالحرية ليست غياب الحدود، بل أن يخلق الإنسان معنى داخل الحدود التي يختارها بنفسه.

العشُّ قيدٌ صغير، لكنه قيدٌ مختار، ولذلك يتحوّل من حدٍّ إلى طمأنينة، ومن جدارٍ إلى بداية تحليق.
فالحرية ليست التشتّت في فضاءٍ بلا شكل، بل امتلاك نقطة يعود إليها الكائن ليعرف نفسه من خلالها.

والطفل، حين يختبئ تحت غطائه، لا يدرك أنه يمارس أول أشكال السيادة الفردية ، هناك، في تلك المساحة الضيقة التي صنعها بخياله، يتكوّن الإحساس الأول بالملكية والخصوصية والاستقلال.

وهنا تبرز الليبرالية الكلاسيكية عند جون لوك، الذي رأى أن الحرية تبدأ من حقّ الإنسان في التصرّف بنفسه ومجاله الخاص دون اعتداء.
فالطفل لا يملك أرضًا ولا ثروة، لكنه يمتلك غطاءه وخياله، وفي تلك المملكة الصغيرة يمارس حقَّه الأول في الاختيار.

إنه يتعلّم، دون أن يدري، أن للإنسان حيّزًا داخليًا لا ينبغي اقتحامه، وأن احترام الذات يبدأ من امتلاك مساحةٍ يقول فيها: “هذا عالمي.”
ولهذا فإن أول درس في الحرية ليس الثورة، بل الخصوصية.

ثم يكبر الإنسان، فيتحوّل الغطاء إلى بيت، والخيمة الصغيرة إلى أسرة.
وهنا تنتقل الحرية من معناها الفردي إلى معناها الاجتماعي ، إذ لا يعود الإنسان حرًّا وحده، بل حرًّا مع الآخرين.

وفي هذا المعنى، رأى هيغل أن الأسرة هي “الفضيلة الأولى للدولة”، لأنها المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الإنسان التوازن بين رغباته الفردية وواجباته تجاه غيره.
فالبيت ليس مكانًا لإلغاء الفرد، بل المكان الذي يتعلّم فيه كيف تكون الحرية مشاركةً لا صراعًا.

الجدران هنا ليست سجنًا، بل عقدُ حماية.
وكما يحمي العشُّ البيضَ من المطر، تحمي الأسرةُ أرواح أفرادها من قسوة الخارج، لكي يخرجوا إليه أكثر قوةً واتزانًا.

لكن المعنى لا يقف عند حدود الاجتماع الإنساني، بل يمتدّ إلى البعد التأملي الأعمق في التجربة البشرية.
فالإنسان، منذ بدايات الفكر، كان يحتاج دائمًا إلى مساحةٍ ينسحب إليها مؤقتًا كي يعيد ترتيب علاقته بالعالم.

هايدغر رأى ، أن الإنسان لا يكتشف حقيقة وجوده وسط الضجيج، بل في لحظات الإنصات الداخلي، حين يواجه ذاته بعيدًا عن صخب الحياة اليومية.
أما حنّة آرندت ، فكانت ترى أن العزلة المؤقتة ليست نقيضًا للحياة العامة، بل شرطًا للتفكير الحر ، لأن الإنسان لا يستطيع أن يحاور العالم ما لم يتعلّم أولًا أن يحاور نفسه .

وفي كتاب جماليات المكان أو شاعرية المكان (The Poetics of Space) وهو من أكثر الكتب تأثيرًا في الأدب والنقد المعماري، حيث منح (غاستون باشلار) للبيت والعشّ والزوايا الحميمة معنىً نفسيًا عميقًا، فرأى أن الإنسان لا يسكن المكان فحسب، بل يسكن طمأنينته الداخلية من خلاله.
العشّ عنده ليس مأوىً مادّيًا فقط، بل صورةٌ أولى للأمان الوجودي.

أما كارل يونغ، احد مؤسسي علم النفس التحليلي،فكان يرى أن العودة إلى الداخل ضرورةٌ لاكتشاف الذات الحقيقية، لأن الروح المرهقة بالعالم تحتاج أحيانًا إلى عزلةٍ قصيرة تستعيد فيها توازنها قبل أن تعود إلى الحياة أكثر نضجًا.

وهكذا يصبح العشّ، وغرفة الطفل، وهدوء البيت، ليس هروبًا من العالم، بل طريقةً إنسانية لإعادة بناء القدرة على مواجهته.

ومن هنا يبدو ، أن الحرية الحقيقية لا تبدأ بالتمرّد، بل بالتأسيس الداخلي.
كلُّ فكرةٍ عظيمة بدأت في عزلة:
في غرفة، أو سجن، أو زاوية تأمل، أو تحت غطاء طفل صغير.

الجدران والحواجز والأعشاش ليست نقيضًا للحرية، بل هي الحبر الذي تُكتب به الحرية نفسها.
فالإنسان لا يستطيع أن يقول للعالم “أنا حرّ” ما لم يمتلك أولًا مساحةً يقول فيها بهدوء:
“هنا أنا.”
وحين يعرف الإنسان حدوده التي اختارها بنفسه، يستطيع أخيرًا أن يخرج إلى العالم لا خائفًا منه، بل متوازنًا معه.
فالحرية الحقيقية ليست انفتاحًا بلا حدود،
بل أن تملك حدودًا تختارها أنت، وتحتمي بها، ثم تغادرها متى شئت.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام ...
- وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام
- من سرق رخامنا؟
- نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية
- المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط


المزيد.....




- بعد قصفها بصاروخ أوريشنيك.. أوكرانيا تردّ باستهداف محطة نفط ...
- زعموا أنهم تعرضوا للتعذيب.. سجناء يسيطرون على سجن بفنزويلا
- سفير أمريكا في إسرائيل للبنانيين: اشكروا تل أبيب على الطماطم ...
- حتى اللحظات الأخيرة.. غموض يلفّ تفاصيل اتفاق واشنطن وطهران
- الجيش الإسرائيلي يقصف أكثر من 30 موقعا في لبنان وحزب الله يع ...
- موجة حر مبكرة غير مسبوقة تضرب فرنسا وتتسبب في وفاة عداء في ب ...
- تفاهم إيراني أمريكي يلوح في الأفق لكن عقبات النووي والأرصدة ...
- تمبست البريطانية.. مقاتلة المستقبل أم كارثة عسكرية جديدة؟
- -حزب الصراصير- ظهر كمزحة فهزّ الهند
- مساعٍ بمحيط نتنياهو لحظر مشاركة -القائمة العربية- في الانتخا ...


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - العشُّ الأول للحرية