أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض














المزيد.....

وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:15
المحور: قضايا ثقافية
    


مدَّ الربيعُ بساطَه الأخضر بين سفوح كردستان، ممتدًا بخيراته نحو سهول نينوى، حيث تتمازج سنابل الحبوب مع وردةٍ سكنت الذاكرة العراقية طويلًا: وردة البابونك، التي ما زالت تمنحنا دواءً بسيطًا وعميق الأثر، يلامس صحة الكبار والصغار.
كأن الأرض، حين تزهر بها، تُصلح شيئًا خفيًا في أرواحنا.

تتلاشى آثار الحروب أمام نقاء المطر، وتعود الطبيعة لتُعلن حضورها بهذه الزهرة الهادئة، كأنها تقول للإنسان: هنا يكمن بعض من شفائك.
هي سلامٌ يُشرب، لا يُقال.

في مواسم القطاف، يسبق البابونك حصاد الحبوب، في مشهدٍ يجمع بين الصحة والخير، بين سنبلة الحنطة وزهرة الربيع. ومع حلول الربيع، تنطلق العائلات لقطافه، وتجفيفه، والاحتفاظ به كزادٍ للبيوت وذاكرةٍ لا تغيب.

في طفولتنا، كانت رفوف المنازل تمتلئ بعبق هذه الزهرة البيضاء ذات القلب الأصفر، تُغنينا عن كثير من العلاجات البسيطة.
كانت أول ما يُقدَّم عند نزلات البرد، تُشرب ساخنة، فتُهدّئ الصدر، وتُريح المعدة، وتبث الطمأنينة في النفوس.
ما أبسطها شكلًا… وما أعمق أثرها.

لم أدرك يومًا أن البابونك يتجاوز كونه إرثًا شعبيًا، حتى أيام دراستي في المملكة المتحدة، حين وصفه لي طبيب كعلاجٍ عشبي، باسمه العلمي Matricaria chamomilla. هناك، رأيت كيف تُقدّر الأمم هذه الزهرة الصغيرة، وتُقدّمها في عبواتٍ أنيقة، بوصفها أحد أشهر النباتات الطبية منذ القدم، خصوصًا في حضارات منطقتنا.

وفي سنغافورة، عاد إليّ البابونك من جديد، لا كدواء هذه المرة، بل كمشروبٍ دافئ في مقهى بعيد. شربته بشيءٍ من الامتنان، كأن عبقه يحملني إلى الحقول الأولى، ويُعيد إليّ طمأنينة البيوت القديمة.
حينها أدركت: هذه الزهرة لا تُقطف لتذبل، بل لتبدأ حياةً أخرى في ذاكرتنا.

في “أم الربيعين”، ومع نوروز، كانت العائلات تخرج نحو السفوح لقطاف البابونك، في طقسٍ يجمع بين البهجة والتوارث. هناك، كانت الطبيعة تُعلّمنا ببساطة أن الشفاء قد يكون أقرب مما نتصوّر.

كانت جدّتي تقول: إن للبابونك سرًا لا يُقال.
لم أفهم عبارتها تمامًا، لكنني شعرت بها. فهو لا يلفت النظر، ولا يرفع صوته، لكنه يترك أثرًا عميقًا، كيدٍ حنونة تربّت على كتف الإنسان في صمت.
في كل رشفةٍ منه، تمتزج حكايات الحقول بهمسات الجدّات، ويعود إلينا شيءٌ من صفاء البدايات.

هنا، في كردستان ونينوى، تظل وردة البابونك أكثر من مجرد زهرة؛
إنها ذاكرة أرض، وطمأنينة روح، ووعدٌ صامت بأن هذه الأرض، مهما أثقلتها الأيام، لا تزال تعرف كيف تُزهر سلامًا.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...


المزيد.....




- فيكتور أوربان يقر بهزيمته في الانتخابات بعد 16 عامًا بمنصب ر ...
- مهرجان مخصص للشمّام في أوزباكستان.. ألق نظرة على أصناف البطي ...
- تحليل.. كيف يبرز تهديد ترامب بحصار إيران ضعف تايوان أمام الص ...
- ترامب يكشف عن حالة الطيارين الأمريكيين بعد إنقاذهما من إيران ...
- استمرار المواجهات على جبهة لبنان.. أمريكا تعلن حصار موانئ إي ...
- المجر: احتفالات تعم بودابست بعد فوز ماجيار
- احتجاجات في بيرو بسبب تأجيل الانتخابات وتزايد الشكوك في نزاه ...
- نواف سلام يتحضّر للتفاوض المباشر مع تل أبيب غدًا والقوات الإ ...
- ترامب يدرس توجيه ضربات محدودة لإيران بعد انهيار محادثات السل ...
- جهاز جديد يكشف الالتهاب الرئوي في دقائق


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض