أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام














المزيد.....

لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 09:27
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


استيقظتُ هذا الصباح على رسائل مبكرة ملئت سحابات الفضاء الرقمي، تُدشّن فصلًا جديدًا من مسلسلٍ لا ينتهي من حروب شرق المتوسط. في زمنٍ يفترض أن يكون زمن تواصلٍ وتقارب، تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى ناقوس إنذارٍ دائم، يُذيع أخبار الدمار قبل أن يجفّ غبار الانفجارات.
نحن في شهرٍ مقدّس، شهرٍ يُفترض أن يسمو فيه الإنسان على نزعاته، غير أنّ العناوين تصرخ بحربٍ تتشابه في أدواتها وتتناقض في شعاراتها. دفاعاتها وهجماتها وقواعد اشتباكها تكشف عن قوى تدميرية في عصرٍ رقمي بارد، تُدار فيه الحروب عن بُعد، ويُختزل فيه الألم إلى أرقامٍ عابرة على الشاشات.

لا أدري لماذا استحضرتُ مشاهد الحرب الأهلية الإسبانية، رغم اختلاف الزمان والمكان. لعلّ التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد منطقه: منطق الاستقطاب الحادّ، ومنطق تحويل الاختلاف الفكري إلى اقتتالٍ وجودي. هناك التحمت الفاشية باليسار في صراعٍ دمويٍّ صريح، وكانت إسبانيا ساحةً لتجربة أيديولوجياتٍ متصارعة على جسد شعبٍ واحد. واليوم، وإن تبدّلت العناوين، يبقى المشهد ذاته: سباقٌ محموم نحو انتصارٍ رمزيّ أو جيوسياسي، ولو كان الثمن أرواح الأبرياء وحلم الحرية.

في حرب اليوم يبدو المشهد أكثر تعقيدًا ،إذ لم تعد الاصطفافات نقية كما في كتب التاريخ، بل تشابكت المصالح بالعقائد، وتداخلت القوميات بالأديان، حتى صار التحالف مع الضدّ أمرًا مألوفًا. الأيديولوجيات التي كانت ترفع شعارات التحرّر أو النظام، باتت تتقاطع في مساحاتٍ رمادية، بينما يظل الإنسان — الفرد العادي — الحلقة الأضعف في معادلة القوة.

هنا يعود إلى الذاكرة صوت إرنست همنغواي في روايته لمن تقرع الأجراس (1940). لم يكن همنغواي مؤرّخًا للحرب بقدر ما كان شاهدًا على هشاشة الإنسان فيها. الأجراس في روايته لم تكن إعلانًا لموت فردٍ بعينه، بل إعلانًا عن تصدّع المعنى نفسه. كانت تدقّ لأن إنسانًا سقط، ولأن سقوطه لا يخصّه وحده، بل يخصّ الجماعة البشرية كلّها.

في تلك الرواية تتكامل ثلاثية عميقة:
الحرب بوصفها عبثًا منظمًا،
الحب بوصفه مقاومة صامتة للفناء،
والإنسانية بوصفها سؤالًا دائمًا عن المعنى في عالمٍ يتفكك.
قصة روبرت جوردن وماريا لم تكن مجرّد حكاية عشقٍ عابر، بل كانت إعلانًا بأن الحب يمكن أن يولد حتى في أحلك اللحظات، وأن الأمل ليس نقيض الواقع بل احتجاجًا عليه.

كان همنغواي منحازًا للجمهوريين، لكنه في جوهره كان منحازًا للإنسان. ذكّرنا بما كتبه الشاعر جون دون: لا أحد جزيرةٌ قائمة بذاتها؛ كل إنسان جزءٌ من قارة الإنسانية. ومن هنا يصبح السؤال: لمن تُقرَع الأجراس؟ سؤالًا أخلاقيًا يتجاوز السياسة.

اليوم، ونحن نشهد أطفالًا يُنتشلون من تحت الركام، ومدارس تتحوّل إلى شواهد قبور، وأمهاتٍ يحملن صور أبنائهن بدل أحلامهم، يعود السؤال بإلحاحٍ أكثر قسوة:
هل تدقّ الأجراس للمنتصر أم للمهزوم؟
للجندي أم للطفل؟
لمن يطلق النار أم لمن يتلقّاها؟

الجواب الذي يفرض نفسه أن الأجراس لا تُميّز بين الهويات. إنها تدقّ كلما انكسرت حياة، وكلما خسر العالم جزءًا من روحه. فالحرب، مهما تذرّعت بالعقيدة أو الأمن أو التاريخ، تبقى فعلًا ضد الإنسان.

في عالمٍ تتسارع فيه الأخبار وتتباطأ فيه الرحمة، يصبح صوت الأجراس نداءً أخلاقيًا قبل أن يكون رمزًا أدبيًا. إنه تذكيرٌ بأن مصائرنا متشابكة، وأن الدم حين يُراق في أي بقعةٍ من الأرض، يترك أثره في ضمير العالم بأسره.

إذن… لمن تُقرَع الأجراس؟
إنها تُقرَع للإنسانية، كلّما فقدت جزءًا من ذاتها.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة


المزيد.....




- الحرب تُشعل الاحتجاجات والمظاهرات في جميع أنحاء الولايات الم ...
- -فجوة في الأجواء-.. هكذا تؤثر عمليات إغلاق المجال الجوي بالش ...
- سلطنة عُمان تُوقف تصاريح تشغيل الأنشطة الجوية
- للمرة الثانية.. إعلام عُماني رسمي: استهداف ميناء الدقم بطائر ...
- ماهي أهداف ترامب النهائية من الحرب مع إيران عقب تضارب التصري ...
- نتنياهو: هذه حرب حاسمة وصواريخ حزب الله تصل إلى شمال إسرائيل ...
- حرب تتدحرج إقليميًا.. إغلاق سفارات وضربات متبادلة في الخليج ...
- التلفزيون الرسمي الإيراني يؤكد استمرار بثه رغم انفجارين في م ...
- الحرب في الشرق الأوسط: الكويت.. -واحة سلام- في مرمى نيران إي ...
- رسالة مزدوجة.. هذا ما أراده ترمب بعد حديثه عن مخزون الذخائر ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام