أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - عندما يغترب الملح














المزيد.....

عندما يغترب الملح


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 16:47
المحور: قضايا ثقافية
    


مضت سبعون عامًا ونيف، وما زال في الذاكرة ذلك النداء الخافت الذي كان يتسلل بين أزقة المدن:
“ملح… ملح…”

كان البدوي يجيء من تخوم الصحراء، تتهادى خلفه الجمال، وعلى ظهورها عدولٌ من وبرٍ محاك، تحمل بلورات الملح المتلألئة كأنها قطع من شمسٍ متحجرة. لم يكن صوته عاليًا، بل يشبه صدى الصحراء نفسها، واثقًا، متباطئ في سيره، يعرف أن البيوت بانتظاره.

كانت العائلات تشتري الملح جملةً ، وتودعه في أوعيةٍ طينية صنعتها يد الرافدين، تُسمّى البساتيك. هناك، في قلب البيت، تبدأ دورة اقتصادٍ منزليٍّ مكتفٍ بذاته.
تجلس النسوة، يطحنّ البلورات في الجون الخشبي، أو في الهاون البرونزي اللامع، فتتحول الكتل الصلبة إلى ذراتٍ ناعمة، بقدر ما تحتاجه الموائد من رخاء.

كان الملح جزءًا من سلسلة اقتصادية محلية مغلقة،
الصحراء تمنح،
والبيت يُصنّع،
والسوق يتداول،
والأرض تحتفظ بتوازنها.

ثم كبرنا…
ودخلنا قاعات الجامعة، حيث لم يعد الملح حكايةً شعبية، بل مسألةً في علم الاقتصاد. كان أستاذنا يذكّرنا بأن السهل الرسوبي، بسبب وفرة الريّ وقت ذاك وتراكم الأملاح، يستقبل سنويًا ما يقارب اثنين وثلاثين مليون طن من الملح.
صار الملح رقمًا، ومعضلةً، وكلفةً مالية.
عمليات غسل التربة، إنشاء المبازل، قشط الطبقات المتملحة، واستبدالها بغرين دجلة والفرات… كلها صراعٌ طويل مع نمطٍ آخر من الملح ،ملحٍ يتسلل إلى الجذور ويهدد الزراعة.
كنا نتساءل:
أيمكن أن يتحول هذا العبء إلى مورد؟
أيمكن تنقيته وتسويقه؟
وكانت الإجابات تتفاوت بين أبناء الريف وأبناء المدن، بين من يعرف طعم الأرض ومن يعرف طعم الكتب.
ومضت السنوات.
أصيب جيلنا بارتفاع ضغط الدم، وصار الامتناع عن الملح نصيحةً طبية.
لكن المفارقة لم تكن صحية فقط… بل اقتصادية.
اختفى البدوي من الأزقة.
وغاب الجمل عن المدينة.
وسكت صوت الهاون.
أما الملح الذي نتناوله اليوم، فيأتينا في علبٍ أنيقة، مختومة بشعاراتٍ أجنبية، تتدفق عبر فواتير الاستيراد من بلدان قريبة وبعيدة.
يقال إننا نستورد منه بما يقارب نصف مليار دولار سنويًا من بلدٍ واحد، تُدفع من حساب ميزان مدفوعات ، وطنٍ تتملّح أرضه عامًا بعد عام.
الأراضي هجرتها المياه، فازدادت ملوحةً من نوع اخر شديد العطش .
والبدو دخلوا عوالم السياسة والمدنية، وتركوا قوافلهم لزمنٍ آخر.
أما الملح البلوري… فقد اغترب.
يا للمفارقة:
بلادٌ تضيف إلى تربتها ملايين الأطنان من الملح كل عام،
وتدفع الملايين لتستورد ملح موائدها.
لم يبقَ من الحكاية سوى فاتورةٍ عالية الكلفة،
وصمتٍ يخيّم على صباحاتٍ لم تعد تسمع دقّات الهاون البرونزي،
ولا احتكاك الجون الخشبي ببلورات الصحراء.
أيُّ أرضٍ هذه
تفيضُ بالملح في كهوف صحرائها،
ثم تستورده على موائدها ؟ انها بلورات الملح التي غربناها فاغتربت .



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع


المزيد.....




- بعد هجمات إيران.. ما جدوى القواعد الأمريكية في قطر؟ رئيس الو ...
- ترامب يعلن رفضه لأحدث مقترح إيراني لإعادة فتح مضيق هرمز
- ترامب: الرئيس الصيني شي يتفهم موقفي بشأن تايوان
- ترامب: سنبرم صفقة مع كوبا ولا أعتقد أننا سنحتاج لتدخل عسكري ...
- هل سترد إيران عسكريا على إغلاق خطوطها الجوية في العالم؟ المج ...
- لتحقيق الأمن المائي.. تونس تبحث عن حلول في الأرض والسماء
- ترامب يعلن رفضه لمقترح هدنة هرمز ويقول: إيران تتكبد خسائر وأ ...
- باكستان: مقتل 11 شخصا في هجوم على مركز للشرطة و-طالبان- تعلن ...
- قوى عراقية ترفض الحصار الجوي المفروض أمريكياً على إيران وتطا ...
- وزراء عرب في -منتدى الثقافات المتحدة- ببطرسبورغ: الحوار الثق ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - عندما يغترب الملح