أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الرياضة الأفقي















المزيد.....

تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الرياضة الأفقي


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 22:50
المحور: المجتمع المدني
    


لم يُفاجئني ذلك المشهد: طفلٌ صغير، وإخوته، ووالداه، في نزاعٍ وانقسامٍ شديدين وهم يتابعون فرص الفوز وإحباطات الخسارة في الدوري الأوروبي عمومًا، والدوري الإسباني خصوصًا.
بين مناصرٍ لهذا ومناوئٍ لذاك، اذ تكشّف لي من خلال الاكتظاظ غير المألوف في مقاهي المدن ـ كيف تتوزّع الجماهير بين فرحٍ صاخب بالنصر، وخيبةٍ ثقيلة عند الهزيمة.

استعدتُ فجأة، مركّباتٍ اجتماعية مشابهة قبل قرابة سبعة عقود، حين كانت الأسرة في بلادنا منقسمة بين اليسار وأقصاه، واليمين وأدناه. جدالاتٌ تمتدّ بالصوت العالي، وتفيض من البيوت إلى المقاهي الشعبية التي تحوّلت آنذاك إلى محطاتٍ للعنف والاستقطاب السياسي الشعبوي. بل إنّ لكل تجمّعٍ سياسيٍّ مقهاه الخاص.
وكنتُ أتساءل يومها بدهشةٍ مبكرة: هل تستحقّ الأيديولوجيات كلّ هذا التنافس السلبي؟ ولا سيما وأن أنظمة الحكم في تلك الحِقَب كانت غارقةً في براغماتياتٍ صِرفة، بلا قيمة أيديولوجية حقيقية لتلك الصراعات.

تذكّرتُ عندها، عمودًا فكريًا لافتًا خطّه المفكّر السياسي حسين العادلي بعنوان: «الدولة مقبرة الأيديولوجيات» ومفاده (( أنّ السياسة ليست فكرةً تُحاكَم، بل واقعًا يُدار ، وأن الأيديولوجيا تُشعل المعنى لكنها تعجز عن إدارة التعقيد اليومي للمصالح. فهي تُعبّئ ولا تُوازن، تُلهِم ولا تُنظّم، وتمنح الجماهير سببًا للتضحية، لكنها لا تمنح الدولة شروط البقاء.
يشهد التاريخ ـ بلا رحمة ـ أنّ الثورات تنطلق من أفكار كبرى: الحرية، العدالة، الخلاص، الهوية. تكون الأيديولوجيا ضرورةً في لحظة الهدم، لأنها تمنح الألم معنًى، والتضحية وعدًا. لكن ما إن تولد الدولة من رحم الثورة، حتى تتحوّل الأيديولوجيا من شرطٍ للانبعاث إلى قيدٍ على الاستمرار. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات، والقوانين المرنة، والتنازلات العقلانية؛ لا تقوم على النقاء، بل على التوازن؛ ولا تُدار بالحقيقة المطلقة، بل بالممكن الأقل كلفة.
ومن هنا، فإنّ كل دولة تُصرّ على أن تكون أيديولوجية تمشي عكس طبيعتها: إمّا أن تتخلّى عن أيديولوجيتها سرًّا وتُبقيها خطابًا، أو تصطدم بالواقع فتنكسر، أو تتحوّل إلى سلطةٍ شمولية تُضاعف القمع لحماية الوهم. تفشل الأنظمة المؤدلجة لأنها تحاول إخضاع الواقع للنص، لا إخضاع النص للواقع؛ فتُقدّس الفكرة أكثر من الإنسان، وتحيل الفشل إلى خيانة، والنقد إلى ارتداد، والاختلاف إلى تهديدٍ وجودي.

فالسلطة تبحث عن البقاء، بينما تبحث الأيديولوجيا عن النقاء. ومن لا يُكيّف ويتكيّف ويتحرّك وفق الممكن، لا يحكم. وهكذا تصبح الدولة مقبرة الأيديولوجيات، لا لأنها تقتلها، بل لأنها تُجبرها على الانتحار أو التخلّي عن ذاتها)) .

ومن حيث انتهى العادلي، يمكن القول إنّ الأسرة التي انقسمت يومًا ما أيديولوجيًا قد خلعت هذا الثوب في زمنٍ كان فيه الدفاع عن المبادئ يمتطي حصان الأيديولوجيا بلا توقّف…..!

ولا أدري لماذا استدعيتُ في هذا السياق من فوري صورة الثائر تشي جيفارا ، يوم غادر منصب محافظ البنك المركزي الكوبي ليعود إلى عالم النقاء الأيديولوجي، وينتهي قتيلًا في صراعٍ غرائبي أشعلته وشاية راعي أغنام في ادغال بوليفيا.
فحين انطفأت نقطة الاشتعال الأيديولوجي لدى الثائر الأممي، كانت كوبا غارقة في مشكلات إدارة الدولة وتنظيم المجتمع: من سائق الحافلة، إلى الحلاق الحكومي، وصولًا إلى أزمة الصواريخ.
هناك، وُضع الحماس الثوري في مهبّ الريح، وغلبت براغماتيات العيش اليومي على خطابات الثورة ، وصارت الجماهير الباحثة عن رغيف الخبز تطوي كتب الأيديولوجيا لتضعها "مجازًا" في أفران الإنتاج.

هكذا يكتب التاريخ نفسه دائمًا: صراعٌ بين أيديولوجيات صلبة تصلح لسراديب النضال السري، لكنها تتعثّر عند امتحان إدارة السلطة والمصالح العامة المتعارضة.
مساران لا يلتقيان إلا على نغمةٍ احتفالية، تُعزف في المناسبات الكبرى، استدعاءً لحنينٍ جميلٍ لماضٍ لم يعد صالحًا للحكم، لكنه يظلّ صالحًا للذاكرة.

وأجمل تلك الذكريات اليوم، هي التي حوّلت براغماتيات الحياة إلى انتماءٍ رياضيّ: تعبٍ لأندية، وشغفٍ بكرة القدم، وانقسامٍ أسريٍّ جديد، لا على أساس الأيديولوجيا، بل على أساس القميص والنتيجة.
هكذا غادرت الأسرة عصر التعصّب الفكري، ودخلت عصر الكرات والأندية، وكأنّ كرة القدم "على طريقتها" سجّلت أهداف «نهاية التاريخ» كما تخيّلها فوكوياما: صراع أنديةٍ لا صراع أيديولوجيات.
وأخيراً، يُظهر هذا الانتقال من الانقسام الأيديولوجي العمودي إلى التنافس الرياضي الأفقي ، تحوّلًا بنيويًا في أنماط السلطة والهيمنة والتمييز السياسي داخل المجتمع. فمن منظور ميشيل فوكو، لا تختفي السلطة حين تتراجع الأيديولوجيا الصلبة، بل يُعاد تشكيلها ضمن شبكات ناعمة من الانضباط والتمثيل الرمزي، حيث تنتقل من مركز القرار السيادي إلى فضاءات الحياة اليومية. وفي هذا السياق، تؤدّي الرياضة دور جهازٍ انضباطيٍّ غير قسري، يُعيد إنتاج الانتماء والامتثال عبر الطقس والمتعة، لا عبر القمع أو الإكراه.

أما وفق قراءة أنطونيو غرامشي، فإن هذا التحوّل يعكس انتقال الهيمنة من المجال السياسي المباشر إلى المجتمع المدني، حيث تُدار «الموافقة» عبر أشكال ثقافية شعبية، لا عبر الأيديولوجيا الثورية أو الخطاب الطبقي.
فالرياضة هنا ليست حيادية بل تمثّل إحدى آليات الهيمنة الثقافية التي تُعيد توجيه الطاقة الاحتجاجية نحو منافسات رمزية لا تهدّد البنية القائمة وتُنتج إجماعًا اجتماعيًا قائمًا على القبول أكثر من الاقتناع.

وفي المقابل، يمكن قراءة هذا التحوّل على ضوء أطروحة فيلسوف المانيا كارل شميت حول التمييز بين الصديق والعدو، إذ يُعاد إنتاج هذا التمييز في المجال الرياضي بصورةٍ مُفرَّغة من مضمونه الوجودي ، حيث يتحوّل «العدو» إلى منافسٍ مؤقّت، ويُحاط الصراع بقواعد تمنع انزلاقه إلى حربٍ سياسية.
وبهذا، يُحتوى المنطق الشميتي داخل إطارٍ ترفيهي يحافظ على شحنة الانقسام دون أن يسمح لها بتقويض النظام.

وختاماً ، لا يمثّل هذا التحوّل نهاية الصراع، بل إعادة عقلنته اجتماعيًا.
فالدولة بوصفها جهازًا لإدارة التناقضات، تُفرغ الأيديولوجيا من قدرتها السيادية، وتدفعها إلى الانكماش داخل الحقول الرمزية والثقافية ، وفي هذا الإطار يغدو انقسام الأسرة حول نادٍ رياضي تجلّيًا مصغّرًا لتحوّلٍ تاريخي أوسع، يُعاد فيه توزيع الولاء من منطق العداء الوجودي إلى منطق المنافسة المنضبطة، ومن خطاب الحقيقة إلى اقتصاد المتعة والقبول.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد
- السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين
- ثلاثية تتناسل في معارك الشرق: التواطؤ… السلطة… التبرير
- عاصفة عيد ميلادي: الخريف الضائع
- الطبيب حميد تاج الدين رجالٌ عظامٌ من بلادي
- خطاب الصمت في الفضاء الرقمي السائل


المزيد.....




- القضاء الإيراني ينفي صدور حكم بالإعدام بحق -عرفان سلطاني-
- من المتضررون من قطع الكهرباء والمياه عن مؤسسات أونروا بالقدس ...
- الإمارات تقدم 1.5 مليون دولار دعما لحقوق الإنسان
- ترامب لصحفيين: عمليات الإعدام في إيران تتوقف -استناداً إلى م ...
- ليبيا.. مقبرة جماعية لضحايا الاتجار بالبشر في إجدابيا تكشف ج ...
- الأونروا: إغلاق إسرائيل مركزا صحيا بالقدس استهتار بالقانون ا ...
- سنوات احتجاز بلا حماية.. لجنة أممية تحمّل أستراليا مسؤولية ت ...
- شاهد.. الأمطار تُغرق خيام النازحين في إدلب وتُفاقم معاناتهم ...
- خيام غزة تختبر ما تبقى من صبر النازحين
- اعتقال لص تنكر بزي نسائي وسرق 7 ملايين دينار ومصوغات ذهبية ف ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الرياضة الأفقي