أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال الاجتماعي














المزيد.....

من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال الاجتماعي


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 02:52
المحور: قضايا ثقافية
    


على امتداد أكثر من سبعة عقود، راقبتُ تحولات المجتمع من زاوية تلامس اقتصاديات الاجتماع وأخلاقياته الإنسانية، فبدت لي حكاية المدن وهي تفقد روحها، لا بفعل الفقر المادي، بل بفعل ما هو أخطر: هدر رأس المال الاجتماعي.
كأنها رواية لخصها المفكر حسين العادلي (ان لكلُّ روايةٍ حكايةُ ألمٍ مُتأخِّرٍ لخطأٍ قديمٍ، أو لحُلمٍ لم يتنفَّسْ، أو لذاتٍ لم تتحقَّق) .
اذ لم يكن ترييف المدن مجرد تحوّل عمراني أو ديموغرافي، بل تفككًا صامتًا للبنية المدنية التي كانت تُيسّر الثقة، والتعاون، والعمل المشترك.
فالمدينة، بوصفها فضاءً أخلاقيًا وثقافيًا، كانت تقوم على طبقة وسطى متماسكة تمتلك وعيًا نقديًا، ورأسمالًا اجتماعيًا ، جعلها حاضنة للمبادرة والتنظيم والعمل المدني.

كانت تلك اللحظة المضيئة حين تأسست جمعية حماية الأطفال في العراق في العام 1928 ، تعبيرًا ناضجًا عن رأسمال الاجتماعي ، إذ نُظر إلى الطفل بوصفه ثروة المستقبل، لا عبئًا اجتماعيًا. وُلدت الجمعية من رحم المدينة، ومن تماسك طبقتها الوسطى، حين كان الاستثمار بالانسان ارقى أشكال التنمية.

لكن مع ترييف المدن، انكسرت هذه الدورة ،
وضعفت الطبقة الوسطى وتآكل دورها كحامل للمدنية، لتصعد داخل المدن تشكيلات اجتماعية موازية، تحكمها أنماط ريفية مغلقة، أفرغت العقد الاجتماعي المدني من مضمونه، وهددت السلم الأهلي، وأنتجت توازنات سلطة خطرة تعمل بعكس مسار التحضّر التاريخي.

إن ما يمكن قوله هو ، أن ترييف المدن وتمزّق الطبقة الوسطى لم يهدر فقط رأس المال الاجتماعي، بل عطّل المسار الطبيعي للتحضّر، وأصاب فكرة المدينة في صميمها، بوصفها مشروعًا قيمياً وثقافيًا قبل أن تكون مجرد تجمع سكاني ، انعزل في حواضن قبلّية داخل المدينة. وياتي واقع الحال عكس ما يبرره الكاتب الفرنسي بيير بورديو في راس المال الاجتماعي بكونه:مجموع الموارد الفعلية أو المحتملة المرتبطة بامتلاك شبكة من العلاقات.
انها حكاية أمة عشت فصولها على امتداد سبعة عقود عجاف ، في مختبر قاسٍ لصناعة دوال إنتاج المجتمع، واختبار أداء رأس ماله، نوعًا وكمًّا، بين ما كان يمكن أن يكون، وما آل إليه الواقع من عزلة فارغة من راس المال عنوانه راس المال الاجتماعي.
فإذا كان رأس المال البشري هو مهارات الإنسان، فإن رأس المال الاجتماعي هو البيئة التي تسمح لتلك المهارات أن تعمل وتثمر. وحين يُهدر ذلك النوع من رأس المال، تنهار المدينة حتى لو توفرت الموارد المادية ، لكون اثمن مافي راس المال الاجتماعي هو قدرة البنية الاجتماعية على تسهيل أفعال الأفراد ، كما يقول الفيلسوف والكاتب جيمس كولمان (James S. Coleman) وهو عالم اجتماع أمريكي بارز (1926–1995)، ويُعدّ أحد أهم المنظّرين الذين أدخلوا مفهوم رأس المال الاجتماعي إلى التحليل الاجتماعي والاقتصادي الحديث، وربطه بسلوك الأفراد وأداء المؤسسات.

وهنا لا يُهدر رأس المال الاجتماعي بمعناه البورديوني بوصفه شبكة علاقات فحسب، بل يُهدر — كما نبّه جيمس كولمان — قدرة البنية الاجتماعية على تسهيل أفعال الأفراد. فحين تنهار هذه القدرة، تفقد المهارات قيمتها، وتتعطل المبادرة، حتى وإن توفرت الموارد المادية.
لقد صدّق المفكر إبراهيم العبادي حين أشار إلى أننا استهلكنا طويلاً خطابًا نقديًا يُفكك الإخفاقات، لكنه أخفق في بناء عقل اجتماعي مبادر، يدعم الفعل الجماعي، ويحتضن الإنجاز الفردي.
وهكذا، تراجع دور المجتمع المدني، وتحوّلت المدينة إلى تجمع سكاني بلا روح مدنية.
الخلاصة ، أن ترييف المدن وتمزّق الطبقة الوسطى لم يقتلا المدينة عمرانيًا فحسب ، بل قيمياً واجتماعيًا.
فحين يُهدر رأس المال الاجتماعي، تنهار المدينة حتى لو امتلأت بالخيرات. لأن أثمن ما في رأسمال الاجتماعي ، هو الإنسان… والبيئة التي تسمح له أن يعمل ويُثمر.
ختاما،إن مدينة بلا طبقة وسطى فاعلة ليست مدينة قابلة للنمو، بل ساحة توازنات قسرية، تُدار بالخوف لا بالقانون، وبالولاء لا بالمواطنة. وكل خطاب تنموي يتجاهل إعادة بناء البُنية الرأسمالية الاجتماعية ، إنما يكتفي بمعالجة الأعراض ويترك المرض يتفاقم.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد
- السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين
- ثلاثية تتناسل في معارك الشرق: التواطؤ… السلطة… التبرير
- عاصفة عيد ميلادي: الخريف الضائع
- الطبيب حميد تاج الدين رجالٌ عظامٌ من بلادي
- خطاب الصمت في الفضاء الرقمي السائل
- منظر دجلة بين طفولتي وكهولتي: الخوف والخجل
- علم النفس التربوي يوم تعثّرت أيديولوجياته في ذاكرة طفولتي


المزيد.....




- هل كان اختطاف مادورو قانونيًا؟ مراسلة CNN تحلل مدى شرعية هذه ...
- صيحة غير متوقعة.. أشخاص يستبدلون النوادي الليلية بحفلات صباح ...
- مقارنة بدول عربية.. أين تقف فنزويلا بمخزونات النفط المؤكدة؟ ...
- تونس تودع كأس الأمم الأفريقية بعد الخسارة أمام مالي بركلات ا ...
- سقوط مادورو: ترامب يريد وضع فنزويلا تحت الوصاية الأمريكية وا ...
- كيف تنظر شعوب ونخب أمريكا اللاتينية إلى ما يجري في فنزويلا؟ ...
- مظاهرة في برلين تطالب بإدخال المساعدات إلى قطاع غزة
- نار الطهي تحوّل حياة عائلة فلسطينية إلى مأساة في غزة
- بتر وتشوهات.. أجساد أطفال السودان تروي أوجاع الحرب
- عرض ترامب في فنزويلا لم ينتهِ بعد


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال الاجتماعي