أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد














المزيد.....

السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8534 - 2025 / 11 / 22 - 15:37
المحور: قضايا ثقافية
    


(من اقتصاد السوق إلى اقتصاد المعنى : مراجعة فكرية عبر زوربا)
منذ أن دخلتُ في عالم الاقتصاد قبل عقود طويلة، تعلّمت أن السعر هو التعبير النقدي عن قيمة الشيء، وأنه أداة المجتمع لقياس الندرة وتنظيم المبادلات. لكنني مع الزمن ، تعلّمتُ أيضًا أن ارتفاع الأسعار ينهش من النقد أجزاء من قيمته ، ويترك أصحاب الدخول المحدودة في مواجهة صداع يومي اسمه التضخم ، انه ذلك الاختلال الذي لا يطال السوق فحسب ، بل يمتد ليصيب استقرار النفوس.

اليوم ، وبينما كنت أطالع عرضًا مُلهِمًا لرواية زوربا اليوناني لنيكوس كازانتزاكيس 1946 ، شعرت أن ثمة مفارقة عميقة تتكشّف أمامي: ففي عالم يحسب كل شيء بسعره، ينهض زوربا ليذكّرنا بأن أثمن ما في الوجود لا يُشترى . فالحرية التي عاشها ليست مجانية، لكنها ليست سعريّة ، إنها ثمنٌ وجوديّ ندفعه من يقيننا وطمأنينتنا.
أما الفرح الحقيقي ، ذلك الذي يولد من رقصة مفاجئة أو ضحكة صافية ، فلا يمكن إخضاعه لأي سوق، لأنه بلا ثمن وبلا بديل.

زوربا لا يُنكر الأسعار، لكنه يرفض أن تتحوّل الحياة إلى جداول حساب. فالقيمة الحقيقية ليست ما ندفعه، بل ما نعيشه. وهنا يظهر التباين الحاد: المثقف يحيا في رأسه، يحسب ويراجع ويحلل، أما زوربا فيحيا في جسده وروحه، يرقص ويغامر ويطلق للفرح فوضاه ونقاءه.

وقد عبّر المفكر حسين العادلي عن هذه الفكرة بعبارة لافتة حين قال:
“إذا غابت المواقف الحرة، فاعلم أن النفوس قد سُعّرت
فالسعر، في أحد معانيه، ليس قيمة الشيء فحسب، بل قيمة ما نحن مستعدون للتنازل عنه من أجل الحصول عليه.

وهكذا تغدو العلاقة بين السعر والقيمة ليست مسألة اقتصادية بَحْتة ، بل سؤالًا وجوديًا:
ما الثمن الذي نحن مستعدون لدفعه كي نحيا حياة حقيقية، لا حياة حسابات؟

يأتي جواب زوربا واضحًا: كل شيء له ثمن… إلا الفرح الحقيقي. فهو لا يُشترى، لأنه يُولد من القلب، بلا سوق، وبلا يد خفية، وبلا حسابات.

كان آدم سميث قد تحدّث عن «اليد الخفية» التي تنظّم السوق، حيث تتكفّل قوى العرض والطلب بتحديد الأسعار.
غير أن زوربا يذكّرنا بوجود سوق أخرى لا تخضع لهذه اليد انها (سوق الحرية).
وفي هذه السوق، الثمن لا يُسدَّد بالنقد، بل بالشجاعة ، شجاعة أن نعيش بلا قيود، وأن نغامر بلا ضمانات، وأن نضحك بلا سبب، وأن نُصغي لنداء الفرح حين يأتي بلا موعد. ولا نجد هذه السوق الا في اقتصاد المعنى الذي يتناول ذلك الجزء من الحياة الإنسانية التي لا تخضع لمنطق السوق ولا قوانين السعر، بل تُحدده القيم والرموز والتجارب الوجودية.
إنه اقتصاد ما لا يُشترى وما لا يمكن قياسه بالأرقام.

فالحرية عند زوربا ليست فكرة مجرّدة ولا مقولة فلسفية، بل تجربة وجودية يتخلّق فيها الإنسان من جديد في فضاء لا ينتهي من الخيارات ، وعند تعدد الخيارات وتنوعها تولد الحرية.
انه فضاء الحرية الذي اختاره زوربا ، إنه البحر الذي يسبح فيه البشر بلا خوف، البحر الذي تُلغى في صيده كل الأسواق إلا سوق واحدة (سوق المعنى)
بضاعتها الفرح، وأمواجها الألم الذي يتحوّل إلى رقص، ورحلتها بحثٌ دائم عن الذات قبل أن تكون سعيًا وراء الأشياء.
وهكذا ، حين يغنّي القلب… يسكت السوق … ويولد الفرح بلا ثمن … انه صراخ الحرية.

انتهى///



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين
- ثلاثية تتناسل في معارك الشرق: التواطؤ… السلطة… التبرير
- عاصفة عيد ميلادي: الخريف الضائع
- الطبيب حميد تاج الدين رجالٌ عظامٌ من بلادي
- خطاب الصمت في الفضاء الرقمي السائل
- منظر دجلة بين طفولتي وكهولتي: الخوف والخجل
- علم النفس التربوي يوم تعثّرت أيديولوجياته في ذاكرة طفولتي
- رغيف الخبز: الأم والوطن والطفولة (من ذاكرة الجمر والقمح)
- قصر النهاية: حين مررنا بالسجن ولم نعد إلى بابل
- الشاي… نباتُ الصين العظيم من قرن الإذلال إلى الحرب التجارية ...
- اقتصاد الدموع : حين يصبح الحنين عملةً رمزية.
- خليجان يحرسهما قمر واحد – من أزمنة لا تموت رحلة تأملية بين ف ...
- السفرة المؤجَّلة: أزمنة لا تموت
- تحت ظلال شجرة النارنج: مدرسة زهاء حديد في بغداد
- جدلية الظل والمصالحة مع الذات : القرين الخفي مرآة ديستوفسكي ...
- بكاء الأمهات على بوابة سجن متخلف..
- البنادق مقابل اللوبستر البحري: مقاربة في الاقتصاد السياسي لم ...
- وزارة الخزانة الأميركية .. قوة إمبراطورية وأسطورة ورقة نقدية ...
- تأميم المصنع الوطني: التاريخ الذي أحزن والدي
- ربطة العنق: متلازمة التعليم والأناقة في بغداد


المزيد.....




- -مهم وله أسباب منطقية-.. حمد بن جاسم يعلق على قرار ترامب بان ...
- السعودية.. إحباط تهريب ملايين الأقراص المخدرة مخبأة في إرسال ...
- مليارديرات مقربون من ترامب قد يجنون أرباحًا طائلة من التدخل ...
- جماجم وعظام وأقدام محنطة.. رجل من بنسلفانيا يواجه تهمًا بسرق ...
- أوروبا.. طقس عاصف يعطل النقل ويحرم مئات الآلاف من الكهرباء
- ما الذي يميز احتجاجات إيران؟
- الجزيرة نت ترصد آثار تصعيد الاشتباكات في حلب
- -ما وراء الخبر- يتناول احتجاجات إيران وتوعُد ترامب بضرب طهرا ...
- الأشرفية والشيخ مقصود.. حيّا التنوع والتوتر في حلب
- احتجاجات إيران.. بين فخ الأمن ورهان تهشيم السيادة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد