أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها














المزيد.....

تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8562 - 2025 / 12 / 20 - 16:47
المحور: قضايا ثقافية
    


أنا القادم من بلادٍ اسمها ما بين النهرين؛
بلادٍ ازدهرت بنخيلها، واستقرت بزروعها، وتقلب مناخها في سهلٍ تصدّ نخيله وبساتينه أعاصير الصيف.
لا نعرف للبرد معنىً إلا في موسمٍ قصير، سرعان ما يغلب عليه مقدمات الربيع، استعدادًا لمناخ حوض المتوسط، وساحاته الصحراوية الخلفية التي ترسل غبارها أحيانًا، وزخّات أمطارها أحيانًا أخرى.

وبين هذا وذاك، تعلّمنا أننا من أبناء المناخات القارية، لكننا نعيش ديناميكية متقلّبة: نهار يختلف عن ليله، وصيف لا يشبه شتاءه… أفعال جوية تشكّل طباعنا نحن سكّان الشرق، يمينًا وشمالًا.

حلّ شهر تشرين الثاني/نوفمبر، قبل أقل من خمسة عقود، ووجدت السماء تلامس الأرض برقائق بيضاء رقيقة وحنونة، تلامس القلب، في عملية تراكمية حوّلت أوتاوا، عاصمة كندا وقارة أميركا الشمالية، إلى قطعةٍ من الجليد المتماسك، يشدّ بعضه بعضًا.

غير أنّ تلك الرومانسية سرعان ما انزلقت إلى قالبٍ جامدٍ ومخيف، يوم أحزنني غرق طفلة في السادسة من عمرها، جازفت بعبور نهر أوتاوا المتجمّد، فغدرها الجليد.
بكيتُ، لأنها كانت في المدرسة الابتدائية نفسها التي دخلتها ابنتي، نحن القادمين من الشرق، في شتائنا الأول.

اقتربت أيام عيد الميلاد، وخرج المجتمع من سكونه تحت الثلج وجباله، ليتحوّل إلى طاقةٍ فنية أعادت الحياة إلى ديناميكيتها الضرورية.
تسيّد المشهد نمطٌ من تماثيل الثلج، زُيّنت بأشرطةٍ وقبعاتٍ سوداء عملاقة، خاض غمارها كبار الفنانين الهواة، يصنعون الحياة من الجليد، من كتلٍ بيضاء تصلّبت تحت سماء مدينة لا ترحم برياح بردها ولا قسوة يومياتها.

كانت تماثيل فائقة الحيوية، اصطفت على حافات القنوات المتجمّدة، لتحوّلها إلى أيقوناتٍ تفيض دفئًا على النفوس.
بدت كأنها تحاكي الطبيعة وتكسر جمودها، لتقول لنا:
“نحن أحياء الطبيعة، نعيش في كتلٍ لا تعرف الحزن، ونعيد إليكم التفاؤل.”

جاء الربيع… ذابت التماثيل، وودّعتنا وهي تهمس:
“انتظروني إلى الشتاء القادم، ما دام فنّانوكم، صُنّاع المعنى من الثلج، يطلقون شراراتهم الحنونة في عوالم الجمال، ويجدّدون الحياة… كل مرة.”

تعلّمت حينها حكمة ساخنة المعنى:
أن الطبيعة لا تُعادي الإنسان، بل تختبر قدرته على إنتاج المعنى.

أخذت أطفالي الصغار عشية عيد الميلاد لنتأمل تماثيل الثلج، فهمس رجل يقف بجانبي قائلًا:
“تماثيل الثلج لا تُراكم الخلود، بل تُراكم المعنى.”
أجبته: نعم، إنه فنّ يعرف أنه زائل، ولذلك بدا لي صادقًا إلى هذا الحد.

غادرنا المكان، وأنا أقول في سري:
“إن القوة السامية غير المنظورة (الخالق الأعظم، الله سبحانه وتعالى) وتفاعلات الطبيعة تخلق المادة، والإنسان يمنحها الدلالة، والزمن يأتي ليحسم المصير بين بقاء الفكرة وغياب الشكل.”

هكذا فقط تتصالح الأشياء حين نتقبل أن الجمال ليس في الديمومة، بل في الأثر.
فالثلج، وهو أقصى أشكال السكون، لا يحمل في ذاته قسوةً ولا رحمة، إنما نحن من نُسقط عليه قراءتنا للزمن.

وحين يتحوّل الجليد إلى تمثال، فإن الزمن نفسه يتباطأ، كأنه يمنح الإنسان فرصة قصيرة ليقول كلمته قبل الذوبان.

فحين جاء الربيع وذابت تماثيل الثلج، لم أشعر بالخسارة، بل كنت أعلم أن ما ذاب هو الشكل فقط، أما المعنى فقد استقر في الذاكرة.
فالزمن لا يهدم كل شيء، بل يكتفي أحيانًا بإزالة القشرة ليُبقي الجوهر حيًا.

وهكذا، كل شتاء يعود، لا ليعيد الثلج فحسب، بل ليذكّرنا أن الحياة، مهما تجمّدت، ستظل قادرة على أن تُنحت من جديد.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد
- السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين
- ثلاثية تتناسل في معارك الشرق: التواطؤ… السلطة… التبرير
- عاصفة عيد ميلادي: الخريف الضائع
- الطبيب حميد تاج الدين رجالٌ عظامٌ من بلادي
- خطاب الصمت في الفضاء الرقمي السائل
- منظر دجلة بين طفولتي وكهولتي: الخوف والخجل
- علم النفس التربوي يوم تعثّرت أيديولوجياته في ذاكرة طفولتي
- رغيف الخبز: الأم والوطن والطفولة (من ذاكرة الجمر والقمح)
- قصر النهاية: حين مررنا بالسجن ولم نعد إلى بابل
- الشاي… نباتُ الصين العظيم من قرن الإذلال إلى الحرب التجارية ...
- اقتصاد الدموع : حين يصبح الحنين عملةً رمزية.
- خليجان يحرسهما قمر واحد – من أزمنة لا تموت رحلة تأملية بين ف ...


المزيد.....




- روبيو حول انتهاء صلاحية اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النوو ...
- مشاهد من موقع حادثة استهداف الجنرال الروسي البارز أليكسييف ب ...
- توقيع اتفاقية لنقل السجناء السوريين من لبنان إلى وطنهم .. إل ...
- إسبانيا تواصل البحث عن سيدة مفقودة مع فيضانات العاصفة ليونار ...
- باكستان: أكثر من 30 قتيلا في هجوم انتحاري استهدف مسجدا للشيع ...
- المغرب.. انهيار مبنى جراء الفيضانات
- فيضانات المغرب التاريخية.. ما دور ظاهرة -الأنهار الجوية- وهل ...
- إيران والولايات المتحدة: مفاوضات -صعبة- في ظل تهديدات الحرب ...
- تقارير إعلامية تشير إلى استقالة مدرب منتخب المغرب وليد الركر ...
- بالتزامن مع المفاوضات.. زيارات إيرانية لأذربيجان والصين


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها