أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق














المزيد.....

أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8543 - 2025 / 12 / 1 - 01:59
المحور: قضايا ثقافية
    


(الديمقراطية والدولة العميقة)
تحتلّ مساهمات المفكر الأكاديمي الكبير الدكتور مزهر الخفاجي في سلسلته الأخيرة، ولاسيما مقاله المعنون “الاستثمار السيّئ في الديمقراطية” موقعًا متقدمًا في إعادة فتح أحد أكثر موضوعات الفكر السياسي إثارة: أنثروبولوجيا الديمقراطية، أو ما يمكن تسميته بالاقتصاد السياسي للديمقراطية في الاقتصادات الريعية.
فالديمقراطية في مثل هذه الاقتصادات ليست نصوصًا دستورية ولا صناديق اقتراع فحسب، بل شبكة كثيفة من العلاقات الاجتماعية والثقافية تتقاطع مع تاريخ طويل من إعادة توزيع السلطة والموارد خارج إطار الدولة الرسمية.
هنا، تتدخل الأنثروبولوجيا لقراءة الديمقراطية لا كنظام حكم، بل كممارسة يومية تحكمها قوى غير مرئية تصوغ شرعية الفعل السياسي ومآلاته.

ومن هنا تظهر قوى الدولة الموازية والريع كمدخل لفهم علل الديمقراطية . اذ تمثل الدولة الموازية واقتصاد الريع ، المدخلين الأكثر حساسية لفهم اختلالات الديمقراطية في المجتمعات الريعية. فالقوى المشاركة في السلطة عبر آليات المحاصصة السياسية تتجاوز حدود النص الدستوري، وتعمل داخل فضاءات المجتمع وشبكات المصالح، مما يجعل العملية الديمقراطية محكومة بمنطق التمثيل (الطائفي–العرقي) أكثر من كونها تمثيلًا سياسيًا.

وقد شهد الفضاء الديمقراطي العراقي في السنوات الأخيرة تغيرًا لافتًا، خصوصًا مع بروز الجيل Z، الذي يمارس حقوقه الدستورية دون أن يرتبط ولائيًا بأركان القوة التقليدية.
ومع تقدّم دوره كناخب، انكشف أن القوى الممسكة بالسلطة ، أو القوى المؤهّلة لاحتكارها، ما تزال ترتكز على ثلاثية الدولة الموازية:
"الدين، القبيلة، ورأس المال"
ومن هذه الثلاثية تنبثق الدولة العميقة بوصفها الجهاز الذي يحفظ توازن النفوذ ويمنع الانزياحات الحادة في توزيع الريع.

فكلما تقدّم أحد أركان هذه الثلاثية نحو السلطة عبر صناديق الاقتراع للهيمنة على الريع النفطي، سارعت القوى التقليدية إلى إعادته إلى موقعه داخل الدولة الموازية، أو إلى “لجمه” في إطار الدولة العميقة، بحيث لا يُسمح له بالاستحواذ الكامل على الريع أو تحويل “الهيمنة الانتخابية” إلى انقلاب ديمقراطي.

لقد جاء “التقسيط” واضحًا:
- بدءًا برجال الدين،
- ثم رجال الأعمال،
- وأخيرًا الزعامات القبلية.

كلها قوى تتقدّم إلى السلطة، لكنها تُسحب إلى الظل عند لحظة الهيمنة، لتعود إلى موقعها كجزء من بنية موازية تشتغل تحت السقف الأيديولوجي للأحزاب الطائفية والإثنية.

وبهذا تسير ميكانيكيات منع تشكّل بديل للسلطة ، حيث الحزب يحتكر، والدولة الموازية تبقى في الظل.

لقد نجحت الأحزاب الطائفية والإثنية، خلال العقدين الماضيين، في إنتاج قوة طاردة تمنع سلطات الدولة الموازية الثلاثية من التحوّل إلى كيانات رسمية تتبوأ السلطة مباشرة. فهي تستثمر في هذه القوى، لكنها لا تسمح لها بأن تصبح بديلًا عنها.

هذه الأحزاب تحافظ على مركزية احتكار القوة—بالمعنى الذي يستخدمه لوي ألتوسير في مفهوم “سلطة الاستجواب” Interpellation—وتمنع انتقال السلطة الأيديولوجية الموازية من الظل إلى العلن، ومن “الهيمنة الثقافية–الاجتماعية” إلى الهيمنة المؤسسية الرسمية.

وقد جاء وصف الكاتب السياسي الاجتماعي الكبير إبراهيم العبادي دقيقًا حين قال:

“يعاني المشهد الانتخابي من الرتابة ، الوجوه والشعارات ذاتها، بلا تجديد حقيقي في الخطاب السياسي، فيما يغيب صوت الشباب الباحث عن الفرص والعدالة والكرامة”.
وهنا تأتي الانتخابات البرلمانية كمختبر للصراع ، (حيث الدولة الموازية تريد … والأحزاب تمنع..!)

إذ تحولت الانتخابات البرلمانية في العراق إلى معمل سياسي تختبر فيه الدولة الموازية قدرتها على احتكار السلطة المحاصصاتية لالتقاط الحصة الأكبر من الريع.
لكن القوى السياسية التي تمثّلها ، أو تتغذّى منها ، سرعان ما تتدخل لإسقاط أي محاولة لهيمنة مباشرة من قبل هذا الثالوث (المعتقد–القبيلة–راس المال) حتى حين تستخدم الأخيرة خطابًا دينيًا أو إثنيًا أو قد تتمدد ليبراليًا.
فالخط الفاصل بين السلطة التشريعية التقليدية والسلطة الظلية الأيديولوجية هو خط عمودي، لا يسمح بعبور الدولة الموازية ناحية السلطة الرسمية. لأن السماح بذلك يعني احتكارًا مباشرًا للقوة وتقاسمًا جديدًا للريع، وهو أمر لا تقبل به بنية المحاصصة السياسية .

فالخلاصة ، إن جوهر الديمقراطية في العراق، من منظور أنثروبولوجي–اقتصادي، يكمن في صراع خفي بين:
-الدولة الرسمية التي تدير شكل النظام،
-الدولة الموازية التي تمارس فعل النفوذ،
-الدولة العميقة التي تضبط حدود التوازن بينهما.
وبين هذه الثلاثية، يبقى الريع النفطي هو “المحرّك غير المرئي” الذي يعيد تعريف الشرعية، ويمنع تشكّل ديمقراطية فاعلة تُعيد المواطنين إلى مركز الفعل السياسي بدلاً من بقائهم متلقّين لفتات الفائض.

واخيراً ، تبقى كلمات المفكر السياسي الانساني الكبير حسين العادلي شاهدة على عمق علم اجتماع السلطة و«أنثروبولوجيتها» وهي تكشف أخطر أصناف الأفيون التي تُخدِّر الوعي وتستلب الإرادة. فهناك (أيديولوجيا تستوطن العقل ) فتحوله إلى مرآة مغلقة، (وعادة تستعبد السلوك ) حتى يغدو الإنسان أسير تكرار لا يملكه ، (وسلطة تعمي البصيرة) تمحو المسافات الفاصلة بين الحقيقة والوهم.
تلك هي الأفيونات الثلاثة التي تؤسس في صمت ،لبنية القهر واغتراب الإنسان .
(انتهى)



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد
- السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين
- ثلاثية تتناسل في معارك الشرق: التواطؤ… السلطة… التبرير
- عاصفة عيد ميلادي: الخريف الضائع
- الطبيب حميد تاج الدين رجالٌ عظامٌ من بلادي
- خطاب الصمت في الفضاء الرقمي السائل
- منظر دجلة بين طفولتي وكهولتي: الخوف والخجل
- علم النفس التربوي يوم تعثّرت أيديولوجياته في ذاكرة طفولتي
- رغيف الخبز: الأم والوطن والطفولة (من ذاكرة الجمر والقمح)
- قصر النهاية: حين مررنا بالسجن ولم نعد إلى بابل
- الشاي… نباتُ الصين العظيم من قرن الإذلال إلى الحرب التجارية ...
- اقتصاد الدموع : حين يصبح الحنين عملةً رمزية.
- خليجان يحرسهما قمر واحد – من أزمنة لا تموت رحلة تأملية بين ف ...
- السفرة المؤجَّلة: أزمنة لا تموت
- تحت ظلال شجرة النارنج: مدرسة زهاء حديد في بغداد
- جدلية الظل والمصالحة مع الذات : القرين الخفي مرآة ديستوفسكي ...
- بكاء الأمهات على بوابة سجن متخلف..
- البنادق مقابل اللوبستر البحري: مقاربة في الاقتصاد السياسي لم ...
- وزارة الخزانة الأميركية .. قوة إمبراطورية وأسطورة ورقة نقدية ...


المزيد.....




- مفاوضات فلوريدا.. تفاؤل بإنهاء حرب أوكرانيا رغم الخلافات
- وزير خارجية بولندا: نرغب في إنهاء عادل للحرب وبحدود آمنة لأو ...
- مواجهات في جنين والاحتلال يقتحم مناطق عدة بالضفة والقدس
- طالبو اللجوء بين رغبات ترامب بالترحيل وقرارات القضاء الأميرك ...
- تونس.. رجال الرئيس ينتفضون ضده
- عاجل | ترامب: أجريت اتصالا مع مادورو ولا أريد الخوض في التفا ...
- فيضانات استثنائية تشرد آلاف السكان بماليزيا
- محادثات ميامي تمهد لعرض خطة ترامب على موسكو
- مدغشقر.. ساحة تنافس جديدة بين باريس وموسكو؟
- تقدم بين الأوكرانيين والأمريكيين .. لكن هناك حاجة لـ-مزيد من ...


المزيد.....

- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت
- التجربة الجمالية / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق