أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب














المزيد.....

الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 03:06
المحور: قضايا ثقافية
    


منذ الطفولة التي غادرنا تنمّرها، وحتى شيخوختنا التي نبلغها مثقلين بالخبرة والخذلان، لم تنفكّ الحياة تُلاصقنا بعالم الطغيان. فما إن نحتكّ بالجماعة الاجتماعية، حتى ينبثق من بين صفوفها طاغية في هذا الفضاء المعولم ، قد يخرج من أفقر القنوات وأضعفها، أو يتشكّل في أقصى حالات الثراء والتملّك والمكر الذي لا يُطاق.
ثم لا يلبث الطغيان أن يتمدّد ، متحوّلًا إلى حالة مؤسسية تتزين بأسماء مهذّبة، وتُصنَّف تحت سقوفٍ وأبواب تُسمّى (بيروقراطية) لتُنتج فئة اجتماعية خطِرة ، مُعطِلة للحياة ، وقد يتشكّل داخلها هرمٌ كامل من الطغاة يمارسون حربًا ناعمة ضد الجماعة الإنسانية ، عبر تعطيل العلاقات الاجتماعية وإفقار المعنى الإنساني.

ولعلّ من أجمل ما كُتب عن الطغيان في أيامنا هذه ما قدّمه المفكّر الكبير حسين العادلي، حين لخّص عالم الطغيان بهمسة عالية، رقيقة المعنى، فقال:

• لا يطغى المرء حين يقوى، بل حين يغيب من يذكّره بحدّه.
• أساس كل طاغٍ طفلٌ مُهمَل لم يجد من يربّيه.
• الطغيان نزعةُ سيطرةٍ مشفوعةٌ بفزع السقوط.
• من رضي بالطغيان مُسِخ، ومن رفض وسكت استُعبد، ومن رفض ونهض تحرّر.
• تطغى الشعوب بالفوضى، ويطغى الحكّام بالسلطة.
• الطغيان لا يُنجبه الحاكم، بل يبدأه صمت المحكومين.
• الطغيان صفقة فاسدة: يعرض الحاكم فيها الخوف والحاجة، ويُسلّم الشعب السمع والطاعة.
• الطغيان لا يموت بسقوط الحاكم، بل بسقوط الخضوع.

ومن حيث انتهى العادلي، وأنا أبلغ عامي السابع والسبعين، أنظر إلى كرة الأرض وقد مرّ بها عدد لا يُحصى من الطغاة، فأجدهم، على اختلاف الأزمنة واللغات والعوالم والبلدان، تحكمهم قاعدة واحدة (عقدة النقص التربوية)

أولئك الذين دفعتهم القاع إلى الصعود، لا بوصفه تحرّرًا من تنمّر الماضي، بل بوصفه انتقالًا من موقع الضحية إلى موقع الجلاد ، فبدل أن يتصالحوا مع العالم، أعادوا إنتاج قسوتهم عليه في صورة طغيانٍ مضاد.

وهكذا، فإنّ الطغيان في جوهره ليس فائض قوّة، بل عطبٌ تربويّ عميق وغيابٌ كامل للدِّفء الاجتماعي. إنّه نتاج فراغٍ عاطفيّ وقيميّ، يُراكم هشاشةً داخلية لا تجد وسيلة للتعبير سوى القمع والعنف. فالطاغية لا يمارس البطش ليُثبت سلطته فحسب، بل ليُقنع ذاته بوجودٍ مهدَّد ، فيُغلق جراحه بفتح جراح الآخرين، ويُسكن خوفه بإسكات أصواتهم. وحين تغيب التربية على الاعتراف، ويتلاشى الإحساس بالانتماء والاحتواء، يتحوّل الإنسان إلى كائنٍ انتقاميّ يرى في الحياة ساحة اختبار دائم لسطوته ، عندها يصبح القمع لغة، والغرابة سلوكًا، واستسهال الموت نتيجةً منطقية لانهيار العلاقة السويّة بين الذات والآخر.

ومن هنا، لا يعود الطغيان حادثةً اجتماعية أو سياسية معزولة، ولا انحرافًا طارئًا في مسار التسلّط، بل علامةً كاشفة على خللٍ بنيويّ في المنظومة التربوية والقيمية للمجتمع. فالمجتمعات لا تُهزم حين تُقهَر خارجيًا بقدر ما تُستنزف من الداخل، حين يُطبَّع الصمت، ويُقدَّس الخضوع، ويُحيَّد العقل النقدي. وحيثما تتراجع التربية بوصفها فعل احتواء وتهذيب، ويُختزل العقد الاجتماعي في السيطرة لا في الخدمة، عندها يصيح الطغيان قابلًا لإعادة الإنتاج بأشكال جديدة ، حتى بعد سقوط رموزه الظاهرة.

وعليه، فإنّ مقاومة الطغيان لا تبدأ بإزاحة الطغاة وحدهم، بل بإعادة بناء الإنسان: إنسانٍ مُدرَّب على المساءلة، محصَّن بالقيم، ومؤهَّل نفسيًا وأخلاقيًا لتحمّل الحرية. تلك هي المعركة الفكرية الحقيقية ، معركة الوعي ضد التسلّط والتنمر، والتربية ضد العنف، والإنسانية ضد فائض القوّة حين ينقلب على ذاته…!



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد
- السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين
- ثلاثية تتناسل في معارك الشرق: التواطؤ… السلطة… التبرير
- عاصفة عيد ميلادي: الخريف الضائع
- الطبيب حميد تاج الدين رجالٌ عظامٌ من بلادي
- خطاب الصمت في الفضاء الرقمي السائل
- منظر دجلة بين طفولتي وكهولتي: الخوف والخجل


المزيد.....




- تحذير -شديد اللهجة- من ترامب لقادة إيران بعد تصريح خامنئي.. ...
- ترامب يُخاطر بدفع العالم إلى عصر -صراع الإمبراطوريات والحكام ...
- ما مستقبل تحالف دعم الشرعية في اليمن بعد التصعيد الأخير بين ...
- بريطانيا تستعد لاحتمال نشر قواتها في أوكرانيا
- مع تصاعد الاحتجاجات.. هل غيرت منصة -إكس- علم إيران إلى نسخته ...
- هكذا تغيرت خريطة السيطرة على الأرض في اليمن
- مسؤولون أميركيون سابقون: غزو غرينلاند سيكون حماقة إستراتيجية ...
- ترامب: سنتولى أمر غرينلاند -باللين أو بالشدة-
- كوريا الشمالية: سول انتهكت مجالنا الجوي بطائرة مسيّرة
- ترامب: الرئيس الكولومبي سيزور البيت الأبيض الشهر المقبل


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب