أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى الأثر














المزيد.....

الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى الأثر


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 15:16
المحور: سيرة ذاتية
    


غاب رجل الاقتصاد، لا كما يغيب الآخرون، بل كما تغيب الأشياء التي اعتدنا حضورها حتى حسبناها جزءًا من الزمن نفسه. غاب فائق علي عبد الرسول، وبغيابه انطفأ مصباحٌ هادئ كان يضيء بلا ضجيج، ويعمل بلا ادّعاء، ويمنح المعنى دون أن يطلب مقابلًا.
غيّبته الأيام، رجلٌ أحبّه الله وأحبّه الناس. وكنتُ أحد المحظوظين الذين عملوا معه في مقتبل العمر الاقتصادي، متعايشًا مع مدرسةٍ حملت دفءَ التجربة الأكاديمية من أميركا الشمالية إلى ممرّات أقسام الأبحاث في البنك المركزي العراقي، حيث كانت الأرقام تُقرأ بضميرٍ قبل أن تُدوَّن في الجداول.

كنّا نفرح لفرحه كأنه فرحنا، ونحزن لحزنه الطويل، ذاك الذي كان يلوّنه حنينه لأطفاله في سبعينيات القرن الماضي. كان رجلًا يجمع بساطة العيش بصرامة الإخلاص في العمل، ويوازن بين النكتة الجميلة والوفاء للأصدقاء دون كللٍ أو ملل.

مثّل البلاد قرابة نصف قرن في المحافل الاقتصادية الدولية، وكان مقياسًا للقوة التكنوقراطية الرصينة ، تلك التي تعرف مداخل الخطر ومخارج التفاؤل، وتؤمن بأن التقدّم يُبنى بالصبر لا بالضجيج. كنّا نجلس سويّة في مطعمٍ بغدادي صغير، نمشي طويلًا على أقدامنا، ونتحدّث عن العراق كما يُتحدّث عن حبيبٍ عنيد: عن أحلامه، وضغوط الحياة، وفرص المستقبل التي لا تموت.

كان حاضرًا بين الجميع، حتى في لحظات الغضب ، تعلوه ابتسامة تُجلي الهموم، وتطفئ فورات الغضب الشرقي التي ورثناها في جينات العروق، بهدوءٍ ييسّر الحياة أمامنا. يعلّمك دون أن يُلقي درسًا: بساطة القلب، نزاهة اليد، وقوة العقل حين تتصالح مع الأخلاق. كان يجمع الأصالة البغدادية بضمير الوطن كله.

كانت المكتبة ميدان العمل. أذكر حادثةً في سبعينيات القرن الماضي، قال لي فيها:
«تعال معي أيها الشاب لنحلّ مشكلة في الريع النفطي».
سألته: «وما المشكلة؟»
قال: «كتابٌ رسمي عاجل يطلب أرقام الصادرات النفطية… رقمٌ محرّم التداول، لا يُقال ولا يُكتب، ولا يعلمه إلا اثنان وقت ذاك في وادي الرافدين… أو وادي النفط من ذوي القبضة الحديدية السياسية ».

وقفتُ حائرًا، ولم أفهم سوى ابتسامته. قلت: «وكيف نُكمل تقديرات خطة التنمية المزمع إعدادها آنذاك، وهي لا يُسمح لها بمعرفة قيمة الصادرات، مع اشتراط الاعتماد على مصادر رقمية من خارج القبضة الحديدية لمحتكري الرقم النفطي والتصرّف بأمواله؟».

قال بهدوء: «لنذهب إلى منشورات الأوبك في مكتبة البنك المركزي».
قلبنا الجداول كما يُقلب أرشيفُ الذاكرة، وقال:
«اكتب هذه السلسلة الرقمية وتوقّعاتها من نشرة الأوبك بالإنكليزية، وحوّلها إلى العربية، واجعلها كتابًا رسميًا… ولا تنسَ عبارة : سري للغاية».

ضحكتُ وقلت: «وما قيمة هذا الكتمان ونحن نستقي الأرقام من مجلة الأوبك؟».
ابتسم وقال: «في بيئةٍ كهذه، تُخفى الحقيقة لا لأنها سرّ، بل لأنها مكشوفة أكثر مما ينبغي. أرقامٌ متاحة للعالم، لكنها غير متاحة لشعبٍ يصرف ويستهلك دون أن يعلم كيف يتدفّق نفطه، ولمن يُباع، وكم يُصدَّر. إنها قدسيةٌ زائفة، يصبح الإفصاح عنها مشكلة في عالمٍ يلفّه الضحك السياسي على الذقون».

تباعدت بنا الأيام، كما تفعل دائمًا. وحين بلغني خبر رحيله، شعرتُ أن فصلًا كاملًا من حياتي أُغلق بهدوء. ذهبتُ اليوم إلى مجلس العزاء، أقرأ الفاتحة، وأحمل في قلبي أكثر من دمعةٍ ثقيلة ، لرجلٍ من فرسان الاقتصاد، ولبلدٍ أنهكته الحروب يوم عملنا سويةً، وسُرقت منه الحقيقة أكثر مما سُرق منه النفط.

يرحل الرجال الصادقون واحدًا تلو الآخر، كأنهم يستعجلون سلامًا أبديًا في سماءٍ لا تعرف صراعات الأرقام، ولا ضجيج السياسة، ولا قدسية الوهم. ويبقى أثرهم هنا… في الذاكرة، وفي القلب، وفي كل محاولةٍ صادقة لبناء وطنٍ يشبه أحلامهم.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد


المزيد.....




- كلب يهاجم صاحبته وينهي حياتها.. انتبه لعلامة تحذيرية يصدرها ...
- مصر.. نجيب ساويرس يعلق على تزايد حالات التزوير بالذكاء الاصط ...
- وزراة الخارجية الفرنسية تستدعي جاك لانغ بعد ظهور اسمه في قضي ...
- النيابة العامة المالية تفتح تحقيقا بشأن علاقة جاك لانغ بجيفر ...
- خروقات إسرائيل لاتفاق وقف الحرب على غزة
- مفاوضات اللحظة الأخيرة بين طهران وواشنطن.. أجندات مختلفة هل ...
- تنظيم الدولة يتبنى هجوم على حسينية بإسلام آباد
- ما هي أفضل بدائل يوتيوب لتحقيق الدخل؟
- تعرف على -إديتس- سلاح ميتا الجديد في سباق تحرير الفيديو
- جلسة بمنتدى الجزيرة.. 5 أسباب تفسر تراجع موقف العرب من فلسطي ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى الأثر