أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام














المزيد.....

الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 01:16
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


الجميع ينتصر حين تزدهر المدن بالنظافة،
ويسعدني أكثر أن أجد حدائق عامة بسيطة يلعب فيها أطفال بلادي من الطبقات الفقيرة.
أقول في نفسي إن حصةً من ثروات البلاد، ومن مساهمات دافعي الضرائب – على قلتهم – تعود هنا فرحًا صغيرًا، ونافورة ماء، ومساحة خضراء تمنح هؤلاء الأطفال عذوبة المتعة التي نسمّيها في علم الاقتصاد السلع العامة ، وهي سلع لا يمكن منع الناس من الاستفادة منها، ولا تقل منفعتها بازدياد المستفيدين. وهنا تحديدًا تظهر مشكلة تُعرف بـ الركوب المجاني.

عدت بذاكرتي إلى أيام دراستي لمادة اقتصاديات الرفاه، وإلى محاضرة أستاذي القدير ديفيد وينش (David Winch)، أستاذ الاقتصاد النظري، ولا سيما الاقتصاد الجزئي واقتصاد الرفاه، وصاحب الكتاب المعروف Analytical Welfare Economics، الذي ظل مرجعًا أساسيًا في مقررات الاقتصاد المتقدمة في المدارس الأكاديمية الغربية.
فاقتصاد الرفاه، في جوهره، علمٌ يبحث في كيفية تأثير السياسات الاقتصادية وتوزيع الموارد في رفاه المجتمع وعدالته.
وبعبارة أخرى، هو فرع من الاقتصاد يدرس أثر تخصيص الموارد والسياسات العامة في الكفاءة وجودة الحياة، لا في مقدار الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات النمو فحسب.
كان حديث البروفيسور وينش يومها عن ظاهرة الركوب المجاني (Free Riding)، بوصفها سلوكًا اقتصاديًا ينتفع فيه فرد أو جهة من منفعة أو خدمة عامة دون أن يساهم في تكلفتها، معتمدًا على مساهمة الآخرين، ولا سيما الفئات من دافعي الضرائب .
غير أن النقاش اتخذ بعدًا أعمق حين انتقلنا إلى الدول الريعية، حيث تتحول الظاهرة إلى ما يشبه مقايضة غير معلنة بين الديمقراطية والريع ،أي استفادة واسعة من الإنفاق العام دون مساهمة إنتاجية مقابلة، بما يضعف العقد الاجتماعي ويحوّل الدولة من محفّز للإنتاج إلى مجرّد موزّع للريع.
واليوم، بعد أقل من نصف قرن على تلك المحاضرة، أجدني أستعيد ذلك النقاش من زاوية مختلفة.
فبينما أفرح بما يمكن تسميته الركوب المجاني الموجب – حين يستمتع أطفال الفقراء بالحدائق والمساحات العامة دون مقابل – ينتابني الألم أمام شكل آخر، أكثر قسوة، من الركوب المجاني السالب.
فهذا الذي يقود سيارة فارهة فيرمي منديلاً ورقيًا او اعقاب السجارة او زجاجة مشروبات في الشارع العام بلا اكتراث،
وذاك الذي يلقي أكياس النايلون التي لوّحتها شمس العراق على الأرصفة وتعبث بها الرياح وهي فاقعة اللون ،
وآخر يبعثر النفايات قرب مدرسة مجاورة…
كأنهم جميعًا يقاومون الركوب المجاني الموجب، ويستبدلونه بركوب مجاني سالب يدمّر الفضاء العام.
هنا أدركت أن الركوب المجاني السالب لا يقتصر على الريع والديمقراطية،
بل يتجسّد أيضًا في ثقافة الذوق العام، واحترام البيئة، وصيانة الحق المشترك.
إنه اختلال عميق في التوازن بين المنفعة والمسؤولية، بين ما نأخذه من الفضاء العام وما نعيده إليه.
رحل أستاذي ديفيد وينش في شباط/فبراير من عام 2002، فانقطع حوار طويل عن الريع والديمقراطية. وما زلت أعتقد أن أخطر أشكال الركوب المجاني السالب هو ذاك الذي يتمدد فيه المتهربون من المساهمة المجتمعية على الريع النفطي، ولا سيما من كبار الأغنياء، عبر من
يلوي أعناق الإجراءات القانونية ويقفز عليها وهو ما يطلق عليهم
بطالبي الريع (Rent Seekers):
فهم افراد أو جهات تسعى للحصول على أرباح أو مزايا اقتصادية دون أي مساهمة إنتاجية فعلية، بالاعتماد على الامتيازات أو النفوذ أو السياسات العامة.
لكن هناك أسئلة ما زالت حيّة:
كيف نحمي الركوب المجاني الموجب؟
وكيف نمنع تحوّله إلى سلوك سالب يخنق المدن، ويضيّق المساحات الخضراء، ويصادر فرح أطفال الفقراء؟.سؤال مفتوح ونقاش لا ينتهي في اجتماعيات علم الاقتصاد السياسي.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد
- السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين


المزيد.....




- بعد انخفاض أسعاره.. توقف مفاجئ لحركة بيع وشراء الذهب في مصر ...
- رئيسة وزراء اليابان ترى مكاسب في ضعف الين رغم تهديدات بالتدخ ...
- اجتماع المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي يعقد بحضور رؤساء السل ...
- فنزويلا تكسر نموذجها الاقتصادي وتفتح النفط للقطاع الخاص
- كندا تبحث مع 10 دول إنشاء -بنك دفاعي- وسط رفض ألماني بريطاني ...
- تطورات الاحتياطي الفيدرالي تُشعل حركة الدولار وتدفع الذهب وا ...
- مصدر روسي: مباحثات بين كبير المبعوثين الاقتصاديين لــ-بوتين- ...
- كالكاليست: خُمس سكان إسرائيل تحت خط الفقر
- إنفيديا تنفي عدم رضاها عن -أوبن إي آي- وتتحدث عن استثمارها ا ...
- ما أسباب تذبذب أسعار الذهب عقب صعود قياسي؟


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام