أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل














المزيد.....

طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 16:18
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


قبل أن يصبح الاقتصاد جداول وأرقامًا، كان بيتًا.
كان دفءَ جدارٍ يحمي، وقوتَ يومٍ يُقسَّم بعدل، وميزانًا دقيقًا بين الحاجة والرغبة. في لغته الإغريقية الأولى، لم يكن الاقتصاد سوى «تدبير المنزل»، أن تُحسن إدارة القليل، وأن تجعل من الموارد المحدودة حياةً ممكنة، ومن النظام طمأنينة.

كان البيت هو النموذج الأول للدولة، وكانت العدالة تبدأ من مائدةٍ تُوزَّع حصصها بإنصاف. لم يكن الأمر حسابًا للربح والخسارة بقدر ما كان صونًا للتماسك، وحفظًا للتوازن، ومنعًا للتبديد. فحين يُدار البيت بحكمة، يبقى قائمًا ،وحين يُساء تدبيره، يتسلل الخلل من أصغر الشقوق.

غير أن طراز الحياة تبدّل.
وبات الاقتصاد المنزلي، الذي كان ذات يوم مدرسة إنتاج، أقرب إلى فصلٍ في ذاكرة الأمهات والجدات. مطابخ الأمس التي كانت معامل صغيرة للتصنيع الغذائي المنزلي، تحولت إلى منصات لاستهلاك أغذية شبه جاهزة. واختفت تلك “البساتيك” العامرة بالجبن والسمن والدبس، وأوعية التمور، ومربيات الفصول، وعصير الطماطم ومعاجينه، والمواد المجففة التي كانت تُعدُّ لمواسم الحاجة.

كانت بيوتُنا وحدات إنتاج متكاملة، تتصل بالمزرعة والسوق والمصنع.
كانت ربة البيت مديرة إنتاج حقيقية، تدير دوالّ انتاج منزلية لا تقل تعقيدًا عن أي منشأة صغيرة. وكان تنور الطين، الممتد بجذوره إلى أرض سومر ووادي الرافدين، أكثر من أداة خبز ،كان رمزًا لاكتفاءٍ نسبي، واقتصادٍ قائم على التدبير لا التبعية.

مضت سبعة عقود ونيف، وتراجعت دالة الإنتاج المنزلي حتى كادت تختفي من حسابات الحياة اليومية.
وفي قاعات علم الاقتصاد كنا نتساءل يومها : هل تدخل هذه الجهود المنزلية في حسابات الدخل القومي؟ أم أنها تظل عملاً غير مرئي، خارج قياس الناتج، رغم أثره العميق في التوازن الاجتماعي؟

ثم جاء التدفق الريعي، فرأينا الاقتصاد من أنبوب واحد:
أنبوب المورد الأحادي الذي أعاد تشكيل ميزان المدفوعات، وأنماط الاستهلاك، وذائقة المجتمع. أصبح البيت مستهلكًا صافياً، يتلقى غذاءه من لحوم مستوردة ومعلبات مغلفة، ويفرح بمنتج “وطني” لا تتجاوز وطنيته مرحلة التغليف. اختفت صناعة المثلجات البلورية التي كانت تباع في الأزقة، وحلت محلها علامات لامعة مستوردة. وتراجعت صناعة الكعك المنزلي أمام قوالب جاهزة تُشترى وتُستهلك. اختفت الغزول التي كانت تغزل في بيوت الجدات لصناعة الاغطية المنزلية والمفروشات عند حائك المحلة ، مثلما اختفت الحياكة اليدوية الجميلة في سنارات والدتي لعمل ملابس الشتاء الدافئة الالوان، واختفت مكائن الخياطة وغدّت شبه قطع تحفية في منازلنا اليوم.
وحين ننظر إلى انخفاض مشاركة النساء في قوة العمل – في حدود 13% تقريبًا – ندرك أن التحول لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل اجتماعيًا وثقافيًا أيضًا. لقد تبدّل طراز الحياة، وغلبت رفاهية ريعية لا تستند إلى إنتاج منزلي أو صناعي موازٍ، بل إلى تدفق دخل لا يمرّ عبر قنوات الجهد اليومي المعتاد. ففقد البيت دوره المنتج، وفقد الاقتصاد أحد أعمدته الصامتة.

وهنا يطُل سؤال قديم للفيلسوف اليوناني أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م) وهو عقل اليونان القديمة الذي يُعدّ من أعظم مفكري التاريخ، وأحد الأعمدة الثلاثة للفلسفة اليونانية إلى جانب سقراط وأفلاطون ، اذ ميّز ارسطو بين:
Oikonomia (الأيكونوميا):
اي تدبير شؤون المنزل والموارد لتحقيق الكفاية والاستقرار ،بمعنى الإدارة الطبيعية للموارد لتلبية الحاجات وتحقيق الكفاية، وبين السعي Chrematistics (الكرماتيستيك) الى تراكم الثروة لذاتها دون حدود.
وكان يرى أن الأولى طبيعية وأخلاقية، أما الثانية فقد تنحرف عندما تنفصل عن حاجات الحياة الفعلية.

كان يرى ارسطو أن (الأولى) مشروعة وأخلاقية، لأنها مرتبطة بالحياة ومعناها.
أما (الثانية) فقد تنحرف عن الغاية الإنسانية حين تنفصل عن حدود الحاجة.

فأين نقف نحن في اقتصاد منزلي ريعي، فقد وزنه الإنتاجي، وتضخم وزنه الاستهلاكي؟
هل ما زلنا في دائرة التدبير، أم انزلقنا إلى منطق التراكم والاستهلاك بلا قاعدة إنتاجية مقابلة؟

إن الاقتصاد المنزلي في أصله الإغريقي كان تدبيرًا حكيمًا لشؤون البيت، وتنظيمًا رشيدًا للموارد، وسعيًا إلى الاستقرار والكفاية. وهو معنى يحمل بعدًا أخلاقيًا وإداريًا عميقًا، لا مجرد حسابات مالية باردة.
ولعل ما نحتاجه اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، بل استعادة لروح “الأيكونوميا” في عالم ريعي استهلاكي شديد التعقيد والتبدل.
انها وقفةٌ تأمل أمام البيت بوصفه خلية الاقتصاد الأولى ،فإن اختلّ ميزانه، اختلّ ما فوقه. وإن استعاد وزنه، ربما استعاد المجتمع بعض من توازنه المفقود.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي


المزيد.....




- -تضغط على المواطنين-.. نائب: الضرائب الجديدة مخالفة للموازنة ...
- إيفو: ثقة الشركات الألمانية ترتفع بأكثر من المتوقع في فبراير ...
- شيفرون تحلّ محل شركة روسية في حقل نفطي عراقي
- أزمة الرسوم الجمركية الأميركية تربك أسواق سندات الخزانة
- تلامس اللحظة الحرجة.. إلى أي حد اقتربت إيران من إنتاج قنبلة ...
- المملكة المغربية.. أي تقييم لاستراتيجية الحكومة لتسريع الانت ...
- خارجية إيران: تنفيذ البروتوكول الإضافي الطوعي سيكون مقابل ام ...
- مسؤولة سويسرية: ربما نضطر للتعايش مع رسوم ترمب بشكل دائم
- تعليق رسوم ترمب الجمركية يهبط بالدولار والنفط والعملات المشف ...
- وزارة العمل المصرية تعلن عن 850 فرصة في 6 أكتوبر.. إليك التف ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل