أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - الآباء والأجداد… وهموم الأجيال














المزيد.....

الآباء والأجداد… وهموم الأجيال


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 18:12
المحور: المجتمع المدني
    


كانت طفولتي نشوءًا صارخًا في أسرةٍ وظيفية من دنيا خمسينيات القرن الماضي، بيتٌ يتكئ على راتبٍ ثابت وعلى يقين بأن الدولة هي الميناء الآمن في بحرٍ مضطرب. كان والدي، الذي عاصر ارتدادات الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن العشرين، يحمل في صمته نزعة حذر مالي عميقة، ويؤمن أن الأمن الوظيفي هو المعادل الموضوعي للاستقرار الأسري. كبرنا في ظلاله، ونحن من جيل يُعرف عالميًا بـ Baby Boomers، جيل تشكّل وعيه في ظل دولة مركزية ووظيفة حكومية واقتصاد ريعي يوزّع الطمأنينة بقدر ما يوزّع الرواتب.

كان أبي وأقرانه العمود الفقري للجهاز الإداري للدولة، يتكيّفون مع بيئة التوظيف العام، ويؤمنون بأن الخدمة العامة شرف واستقرار. كانوا جزءًا من بنية الاقتصاد الريعي، موظفين ومتقاعدين يعتمدون على الموازنة العامة، يعيشون سلام الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ويقيسون الزمن بإيقاع أبطأ، لكنه أكثر يقينًا.

فتحتُ عينيّ على وعي تكنولوجي بسيط لكنه مُبهج. ساعة يد أنيقة من نوع “نيفادا” كانت عيد نجاح لا يُنسى، ودراجة هوائية “فيلبس” كانت ذروة الطموح الطفولي. كان امتلاكهما دمجًا رمزيًا بين السرعة والزمن، كأن التقدم قد تجسّد في عقارب ساعة ودوران عجلة. يومها بدا لنا أن الحياة بلغت أقصى حداثتها.

مضت سبعة عقود، وأصبحنا أجدادًا. أنظر إلى حفيدي ذي الأشهر السبعة، الذي يدشّن انتماءه إلى Generation Beta، جيل التراكم الرأسمالي الرقمي الظلي، حيث تُخلق القيمة في فضاءين متوازيين: فضاء الإنتاج الحقيقي وفضاء البيانات. في عالم باتت فيه البيانات الندرة الجديدة، والذكاء الاصطناعي محرك تحويلها إلى قوة إنتاجية. سيكون موقع الفاعل في هرم القوة الاقتصادية مرهونًا بسرعة المعالجة الخوارزمية لا بطول سنوات الخدمة.

أما بيتنا، دار الجدّين، فقد غدا مساءً أشبه بمدرسة ابتدائية رقمية؛ خلية نحل من أحفاد ينتمون إلى Generation Z، تسبقهم شاشاتهم إلى الكلام، وتعلو صيحاتهم مع وميض العطلة الربيعية. مطالبهم ليست ساعة ميكانيكية ولا دراجة هوائية، بل لوحًا رقميًا يتجدّد كل عام، ولو حمل رموز العصر المسماري السومري في تطبيقٍ تفاعلي. إنهم جيل شديد الرقمية، شديد الألفة مع الذكاء الاصطناعي، لا يؤمن بأن الزمن يُقاس بعقارب، بل بسرعة الاتصال.

أتعجب من تعاقب الأجيال وتبدّل المفاهيم. أجد نفسي في حوار مفاهيمي مع أحفادي، حيث القيم تُتداول بلغة خوارزمية لا تهدأ. أنظر إلى حفيدي الصغير، كأن ابتسامته تقول: “يا جدي، نحن أول جيل يولد داخل منظومة رقمية مكتملة الأركان. لا تتحسر على مستقبلنا، دع عصرك الميكانيكي في متحف الذاكرة، وانظر معنا إلى ما سيكتبه الغد.”

وهكذا، بين ساعة “نيفادا” ولوح ذكي، بين دراجة هوائية وخوارزمية ذاتية التعلّم، يمتد خيط الزمن. لسنا في صراع أجيال بقدر ما نحن في انتقال من زمن كان يقيس الأمان بالراتب، إلى زمن يقيس القوة بالبيانات. ويبقى السؤال الأبدي: كيف نحفظ جوهر القيم ونحن نغيّر أدواتها؟

إنه عصر تدوير الزوايا في قلوبنا قبل عقولنا… حيث يصبح تليين المشاعر وفهم الآخر شرطًا أساسيًا. فالتغيير يبدأ من الداخل، من الرحابة والمرونة القلبية، قبل أن يمتد إلى الأفكار والسلوكيات.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن


المزيد.....




- مصدر مطلع للعالم: الامريكيون لم يطرحوا موضوع حقوق الانسان لا ...
- إيران تعلن إحباط تهريب شحنة أسلحة ثقيلة واعتقال المتورطين
- قوات حرس الحدود في ايران: إحباط عملية تهريب شحنة أسلحة ثقيلة ...
- -عسكرة الذكاء الاصطناعي- تشعل منصات التواصل بعد تقارير عن اس ...
- حماس: مجزرة خيام النازحين رسالة دموية لتقويض -مجلس السلام- ا ...
- -لمّا يموت نادوني-.. 22 ألف حالة اعتقال بالضفة خلال حرب الإب ...
- -ضغطوا على الأزرار ولم يعمل شيء!- ترامب يتباهى بسلاح -سرّي- ...
- بيان القمة الإفريقية يدين التهجير القسري للفلسطينيين ويحذر م ...
- اعتقال 19 فلسطينيا باقتحامات إسرائيلية في الضفة
- الأمم المتحدة: توسيع السيطرة الإسرائيلية بالضفة يمهد لتهجير ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - الآباء والأجداد… وهموم الأجيال