أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز














المزيد.....

الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 00:51
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


(تأمل في النفط والحرب من تولستوي إلى زمننا)
حين قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل ساعات إن إنتاج النفط المرتبط بمضيق هرمز قد يتوقف بالكامل، لم يكن ذلك مجرد تصريح في سياق أزمة عابرة، بل كان أشبه بإشارة ثقيلة على رقعة الشطرنج الدولية.
فالكلمات التي تُقال عند بوابات الطاقة العالمية ليست كلمات عابرة، بل إشارات إلى تحولات قد تعيد رسم خرائط الاقتصاد والسياسة معاً.

وعند هذه النقطة تحديداً، يقفز إلى الذهن صوتٌ بعيد من القرن التاسع عشر، صوت الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي في روايته الخالدة الحرب والسلام.
فقد كتب تلك الرواية وهو يتأمل مأساة الحرب التي اندلعت عندما قاد نابليون بونابرت جيشه لغزو روسيا في العام 1812 في ما يعرف بـ الغزو الفرنسي لروسيا.

لم يكن تولستوي يكتب رواية عن معركة فحسب، بل كان يكتب عن معنى التاريخ نفسه.
كان يريد أن يقول إن التاريخ لا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل تصنعه حركة الشعوب، وتوازن القوى، وتقلبات الاقتصاد، وأحياناً حتى المصادفات الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى بين رواية كُتبت في القرن التاسع عشر وبين واقع الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين.

فالمنطقة التي تمتد من الخليج إلى المتوسط ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي واحدة من أهم أحزمة الطاقة في العالم. وفي قلب هذا الحزام يقف مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. ومن الطبيعي أن يصبح هذا المضيق، كما كانت سهول روسيا في زمن نابليون، مسرحاً لصراع الإرادات الكبرى.

غير أن ما أدركه تولستوي قبل أكثر من قرن ونصف هو أن الحروب لا تخضع دائماً لمنطق العقل ، بل إنها كثيراً ما تتحول إلى ظاهرة عبثية، فوضوية، تتجاوز قدرة القادة على التحكم بها. القادة يخططون، لكن الواقع يسير في مسارات أخرى تصنعها الجغرافيا والاقتصاد والمجتمعات.

وهذا ما يجعل التوترات الراهنة في الشرق الأوسط أشبه بسلسلة تفاعلات معقدة ، تتداخل فيها مصالح قوى متعددة: قوى إقليمية وقوى دولية. وكل طرف يرى في الطاقة طريقاً إلى النفوذ، وفي الجغرافيا أداةً لإعادة ترتيب ميزان القوة.

لكن وسط هذه الخرائط الكبيرة يقف اي بلد مثل بلادنا أمام مفارقة لا تخلو من القسوة ، ففي منتصف المائدة العراقية وُضع رغيف ضخم من الذهب الأسود. كلما ارتفع سعر النفط بدا هذا الرغيف أكبر وأكثر لمعاناً. غير أن الرغيف مهما كان كبيراً، لا يكفي وحده لإطعام أمة.

فالاقتصاد الذي يعتمد على طبق واحد يشبه المائدة الفقيرة التي تنتظرها الأيدي الكثيرة. وإذا تعطل الفرن الذي يخبز هذا الرغيف، أو إذا تعطلت الطرق التي تنقله عبر البحار والأنابيب، يصبح العوز أكثر قسوة مما كان عليه من قبل.

لهذا ، فإن النفط رغم أهميته ليس أكثر من عنصر واحد في مائدة الوطن. فالمائدة الحقيقية لبلادنا تمتد من حقول القمح في الشمال إلى بساتين النخيل في الجنوب، ومن سهول الزراعة في الوسط إلى موارد الماء والعمل والعلم التي تصنع اقتصاداً متوازناً في البلاد كلها.

وعند هذه النقطة يعود صوت تولستوي من جديد، ليذكرنا بأن المجد العسكري ليس هو المعنى الحقيقي للحياة. فالحروب، مهما بدت عظيمة في كتب التاريخ، تترك خلفها دائماً سؤالاً إنسانياً بسيطاً: كيف يمكن للناس أن يعيشوا بسلام؟

إن الدرس الذي يربط بين تأملات تولستوي في القرن التاسع عشر وبين أزمات الطاقة في القرن الحادي والعشرين هو أن العالم لا يستطيع أن يعيش طويلاً تحت منطق الصراع الدائم. فالحرب قد تغيّر خرائط النفوذ، لكنها لا تبني استقراراً مستداماً .

ولهذا فإن المستقبل الحقيقي للمنطقة لا يكمن في سباق التسلح أو في صراعات الممرات البحرية، بل في ما يمكن تسميته بالاقتصاد السياسي للسلام ، أي تحويل الطاقة من سببٍ للصراع إلى أساسٍ للتعاون والتنمية على اطراف ممرات هرمز والخليج.
وعندها فقط يمكن أن يتحول النفط من وقود للحروب إلى طاقة للحياة.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...


المزيد.....




- إيران تضع شرطًا لعبور السفن في مضيق هرمز بـ-حرية-
- بوتين يعرض إعادة تزويد أوروبا بالطاقة ويحذر من انهيار الإمدا ...
- عقب إعلان حزب الله استهدافها.. فيديو يوثق دمار محطة اتصالات ...
- هل يعلن ترمب نصرا مبكرا في الحرب على إيران؟
- خبير عسكري: أمريكا لم تحقق أهدافها من الحرب والمرشد الجديد س ...
- رغم تهديداته المتواصلة.. هذا ما تخشاه إسرائيل من ترمب
- قوات -دلتا- تتأهب.. كيف سيكون شكل الهجوم البري الأمريكي ضد إ ...
- بن غفير يفتح الباب لتسليح 300 ألف إسرائيلي إضافي بالقدس وألم ...
- بعد قتلها آمال شمالي.. إسرائيل ترفع شهداء الصحافة في غزة إلى ...
- لهيب الأسعار وسلاح المقاطعة: صفاقس أعطت الإشارة


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز