أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - مظهر محمد صالح - حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم














المزيد.....

حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 22:11
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


(من أسطورة الحمامة التي بشّرت بنجاة الأرض بعد الطوفان، إلى حمامة بيكاسو التي حلّقت فوق ذاكرة الحروب، تتشكل رحلة رمز إنساني واحد ظلّ يحمل حلم البشر الأبدي: السلام)

نادراً ما يثير طائر صغير كل هذا القدر من التناقض في ذاكرة الإنسان مثل الحمامة. فهي في المخيلة الإنسانية رسول سلام، وفي لوحات الفن العالمي أيقونة الطمأنينة، وفي النصوص الدينية بشارة نجاة بعد الكارثة. جعلت الحمامه رمز للسلام لان لها صوت هديل وهو احن تغريد واجمل لحن يعبر عن السلام والمحبه بين البشر والمخلوقات ... ومع ذلك، فإن هذا الطائر ذاته قد يتحول في بعض الأزقة الشعبية إلى مصدر خصومة أو حساسية اجتماعية. هنا تبدأ المفارقة: كيف يمكن لرمز عالمي للسلام أن يجد نفسه أحياناً في قلب نزاعات صغيرة تدور تحت سماء واحدة؟
‎في المخيال الإنساني القديم لم تكن الحمامة مجرد طائر يحلّق في السماء، بل كانت رسالة رمزية تحمل معنى أعمق من جناحيها الخفيفين. فمنذ قصة نوح التي عادت فيها الحمامة بغصن زيتون بعد الطوفان، ترسّخ في الضمير الديني والإنساني أن هذا الطائر الأبيض هو بشارة النجاة وعلامة عودة الحياة. لقد أصبحت الحمامة منذ ذلك الحين لغة صامتة تقول ما تعجز عنه الكلمات: أن السلام ممكن، وأن الأرض قادرة
على التعافي بعد العواصف.
‎انتقل هذا الرمز عبر القرون من النصوص الدينية إلى الوجدان الثقافي، حتى أعاد الفن الحديث إحياءه في لوحة حمامة السلام للفنان الإسباني بابلو بيكاسو.
فقد رسم بيكاسو حمامته البيضاء بخطوط بسيطة تكاد تقترب من البراءة الأولى للرسم، لكنها حملت دلالة إنسانية عميقة في لحظة تاريخية كانت البشرية تخرج فيها من ظلال الحرب العالمية الثانية. وقد تحولت تلك الرسمة إلى شعار عالمي عندما اختيرت ملصقاً لـ مؤتمر السلام العالمي في باريس 1949، وهو المؤتمر الذي جمع مثقفين وفنانين وناشطين من أنحاء العالم للدعوة إلى تجنب كوارث الحروب الكبرى.
منذ تلك اللحظة خرجت حمامة بيكاسو من إطار اللوحة لتصبح علامة بصرية لحلم إنساني واسع: أن السلام يمكن أن يكون لغة مشتركة بين الشعوب.
‎غير أن الرموز، مهما سمت معانيها، تبقى عرضة للتحولات حين تنتقل من فضاء الفكرة إلى فضاء الممارسة اليومية. ففي بعض الأزقة المتلاصقة في مدن الشرق، حيث البيوت متقاربة والسطوح تكاد تتجاور كأنها بيت واحد، دخلت الحمامة عالماً مختلفاً تماماً عن عالم الرموز. هناك لم تعد مجرد طائر للسلام، بل أصبحت جزءاً من لعبة مهارة وصراع خفي بين مربّيها في السماء المفتوحة.
‎تتحول الأسراب في تلك الفضاءات الضيقة إلى ما يشبه معارك جوية صامتة. يطلق المربّي طيوره لتجذب أسراباً أخرى، ويقودها بخبرة طويلة في إدارة الطيران فوق الأسطح. وفي خضم هذه المنافسة قد تضيع الطيور وتنجذب إلى أسراب أخرى، فتبدأ حكايات الخصومة، وتُنسج روايات العداوة بين المربين، وكأن السماء الصغيرة فوق الحي الشعبي قد تحولت إلى ساحة تنافس غير مرئي.
‎هنا تظهر المفارقة الثقافية: الطائر الذي حمل في الذاكرة الإنسانية معنى السلام صار في بعض البيئات أداة لقلق اجتماعي أو سبباً لنزاعات صغيرة. بل إن تحليق الحمام فوق البيوت المتلاصقة قد يثير حساسيات تتعلق بخصوصيات السكان، فيتحول ما كان رمزاً للطمأنينة إلى مصدر إزعاج أو شبهة.
‎غير أن هذه المفارقة لا تلغي المعنى الأصلي للرمز، بل تكشف عن طبيعة الرموز نفسها. فالرمز ليس ثابتاً في الواقع بقدر ما هو ثابت في الوعي الثقافي. يمكن للحمامة أن تكون في اللوحات الفنية علامة سلام، وفي النصوص الدينية بشارة رحمة، وفي الأزقة الشعبية جزءاً من لعبة اجتماعية معقدة. إنها الكائن ذاته، لكن المعنى يتغير تبعاً للسياق الذي يحيط به.
‎ولعل قوة رمز الحمامة تكمن في قدرته على تجاوز هذه التناقضات. فعلى الرغم من كل الاستخدامات اليومية التي قد تبعده عن معناه المثالي، ما زالت الحمامة البيضاء حين تُرسم أو تُطلق في الاحتفالات العالمية تعيد إلى الذاكرة البشرية حلمها القديم: أن السلام ليس مجرد شعار سياسي، بل حاجة عميقة في روح الإنسان.

وهكذا تبقى الحمامة، معلقة بين السماء الرمزية والسماء الواقعية، كائنًا يتنقل بين عالمي التمثيل والمعايشة: عالم المعنى الذي نسجته الأديان والفنون، وعالم الحياة اليومية بكل ما يحويه من صراعات وتنافس ومفارقات. في هذا الفضاء الفاصل بين الفكر والواقع، تتشكل حكاية الإنسان نفسه: ذلك الكائن الذي يرفع شعارات السلام في خياله، ويظل في واقعه أسير النزاعات التي لا تنتهي، محاطًا بدخان حروب مستمرة، حيث تستظل الحمامات البيضاء بأعشاشٍ تصطدم بجدران الإمبريالية الرقمية في عقول لا تعرف سوى لغة الدم والدمار.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...


المزيد.....




- رئيس الاستخبارات البريطانية السابق: الحرب على إيران -غير ضرو ...
- ستكون -أهدافاً مشروعة-.. مسؤول إيراني يحذر دول أوروبا من الا ...
- البيت الأبيض يروج لـ-العدالة على الطريقة الأميركية- ضد إيران ...
- الدوحة تتهم طهران باستهداف منشآت مدنية على أراضيها.. وتلوّح ...
- تحرك عسكري بريطاني نحو شرق المتوسط.. ماذا نعرف عن المدمرة -إ ...
- -لسد الثغرات-.. حملة روسية في الجامعات لدفع الطلاب إلى توقيع ...
- 7 أيام من الحرب.. تسلسل زمني لضربات متبادلة غيرت وجه المنطقة ...
- كيف تستفيد موسكو وبكين من استنزاف واشنطن بحربها على إيران؟
- سيحدد مسار الدولة.. تعرف على أبرز المرشحين لخلافة علي خامنئي ...
- في عمر 87 عاما.. الاحتلال يُخضع الشيخ عكرمة صبري للتحقيق


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - مظهر محمد صالح - حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم