أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش














المزيد.....

في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس مبالغةً أن نقول إن “الاستكان” هو وحدة قياس غير مُعلنة للزمن العراقي ، به يبدأ النهار وبه تُختم المجالس، وبينهما تتشكل تفاصيل الحياة.
في البيت، في المقهى، في الدائرة الرسمية، في مجلس الفاتحة، وحتى في ذروة القيظ ،
حين تلامس الحرارة حدودها القاسية، يظل الشاي حاضرًا، كأنه فِعل مقاومة ناعم ضد تعب الحياة.
هناك شيء يتجاوز الطعم ، الشاي في العراق ليس شرابًا بقدر ما هو مزاج عام يُدار جماعيًا.
أتذكر، كما يتذكر كثيرون، تلك الطقوس الصغيرة التي صنعت علاقتنا الأولى مع الشاي ، حينما كانت صناديق الشاي تحمل في داخلها مفاجأة طفولية، تمثال فيل أسود من خشب داكن، كأن الاستهلاك نفسه كان يربّي خيالنا. ثم “اللعبة” الأجمل: شاي “نص ونص”، أو “شاي العروس”، حين ينقلب ترتيب الصبّ، فيصعد اللون الداكن إلى الأعلى، ويستقر الماء في الأسفل، فنشرب بأعيننا قبل أفواهنا.

كنا نظنها لعبة… لكنها كانت أول درس في جماليات الاستهلاك.

في مكان ما من الذاكرة، يقف “السماور” متوهجًا، قادمًا من آسيا الوسطى، مستقرًا في البيوت العراقية كأنه أحد أفراد العائلة.
وعلى الضفة الأخرى، تتلألأ مناقل الفحم، بنحاسها المصقول، كرمزٍ خفيّ للقوة والهيبة. انها لم تكن أدوات فقط، بل كانت لغة اجتماعية كاملة تُدار حول النار والماء والانتظار.

وكانت الأسواق—كسوق الصفّارين—تغذّي هذه اللغة، لا بالمعادن وحدها، بل بالمعنى.

لكن، لنتحدث بصراحة الاقتصاد:
العراق، بلدنا الذي تُقدّر ثرواته الطبيعية بنحو 16 تريليون دولار، يقف في مفارقة لافتة ، فهو واحد من أكبر مستوردي الشاي في العالم، بحجم استيرادات يناهز 239 مليون دولار سنويًا، مع اعتماد كبير على الشاي الهندي.
في المقابل، تتصدر دول مثل الصين وسريلانكا وكينيا قائمة المنتجين والمصدّرين، بينما يظل العراق مستهلكًا خالصًا.

هذه ليست مجرد أرقام… بل بنية اقتصادية.
اقتصاد ريعي، يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للعملة الأجنبية ، ثم يعيد ضخ هذه العملة إلى الخارج عبر الاستيراد—ومن ضمنه الشاي. وهنا، يتحول “الاستكان” إلى حلقة صغيرة في دورة أكبر:
نبيع النفط… لنشتري الشاي.

بلغة أدق، نحن أمام نموذج اقتصادي استهلاكي ريعي كما يعرفه القاصي والداني ، فهناك :
إيرادات نفطية دولارية وطلب محلي استهلاكي مرتفع ثم ضعف في التنوع الإنتاجي و اعتماد شبه كامل على الاستيراد.

في هذه المعادلة، لا يكون الشاي مجرد سلعة، بل يصبح مؤشرًا على اختلال هيكلي.

ثم جاء مؤخراً “شاي الكرك”، متسللًا بخفة من ثقافات أخرى، محمّلًا بالزنجبيل والهيل والزعفران، ليعلن أن الذائقة نفسها لم تعد ثابتة. الصغار قبل الكبار باتوا يطلبونه، وكأن السوق يعيد تشكيل العادة، لا العكس.

هنا تظهر طبقة أخرى من اللعبة:
لم نعد نستهلك الشاي فقط، بل نستهلك تجديده المستمر.
وهذا هو جوهر الاقتصاد الريعي في صورته اليومية ، ليس إنتاج ما نحتاجه ، بل استيراد ما نرغب به… ثم الرغبة في المزيد.

ومع ذلك، تلوح فكرة ربما حالمة، وربما ضرورية:
لماذا لا يتحول هذا الاستهلاك إلى مدخل استثماري؟
لماذا لا يكون للعراق، ولو جزئيًا، موطئ قدم في إنتاج الشاي، عبر استثمارات خارجية أو تجارب زراعية محلية محدودة؟

قد لا تكون الأرض العراقية مثالية لزراعة الشاي على نطاق واسع، لكن التفكير هنا ليس زراعيًا فقط، بل اقتصادياً :
كيف نكسر الحلقة؟
كيف ننتقل من:
مستهلك دائم إلى مشارك في سلسلة القيمة؟

و في النهاية، يبقى الشاي في العراق قصة أكبر من كوب او استكان،
إنه مرآة لاقتصاد، وذاكرة لطفولة، وطقس اجتماعي، ولحظة هدوء في بلد صاخب.

وبين آخر “استكان” مستورد، وأول فكرة إنتاج محلي، تستمر الحكاية… نحتسي الشاي ، ويحتسينا ..!



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لدبابات إسرائيلية-.. ما حقيقته ...
- زيلينسكي: خبراء أوكرانيون شاركوا في إسقاط مسيّرات إيرانية بع ...
- تقييمات استخباراتية إسرائيلية: القيادة الإيرانية الجديدة أكث ...
- في مواجهة -سياسة العزل- الغربية.. الصين تشيد بـ-النجاحات- ال ...
- عاصفة في الإعلام الأميركي: ميغين كيلي تتهم نتنياهو بالتلاعب ...
- تمرد أم حماية؟ ميلانيا ترامب تهدد مروجي -أكاذيب إبستين-
- بعد فقدان الوزن.. كيف نعيد شباب الوجه ونحد من الترهل؟
- اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران: هل تنجح إيران في جعل لبنان - ...
- إسطنبول.. لائحة اتهام لـ35 إسرائيليا بقضية الاعتداء على -أسط ...
- دروس حرب إيران تصل إلى كوريا الشمالية


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش