أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن















المزيد.....

السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن



مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 00:09
المحور: الادارة و الاقتصاد
    



في عنفوان الشباب وقوة اندفاعاته، وقعت بين يديّ مقالة أكاديمية باللغة الإنكليزية تتضمن اصطلاحاً لافتاً عنوانه (Office Politics سياسة المكاتب) في وقت كنت قد دخلت في نزاع وظيفي مع مسؤولي الأعلى، فاستحضر هذا المصطلح أمامي أجواء مناخي الوظيفي الأول، وأنا أتقلب في مشاغل العمل.
كانت تصوّراتي آنذاك ، أن التشكيلات الإدارية المكتبية تعج بما يمكن تسميته بـ “سياسات المكاتب” لما يدور فيها من طيش أو طغيان لدى بعض الإدارات العليا، ونحن ما زلنا في المراحل الأولى من حياتنا الوظيفية. وقد زادني هذا الأمر دهشة، ودفعني للبحث عن المؤسس الأكاديمي الأول في علم الإدارة العامة لهذه العبارة الساخنة والمبهمة (سياسات المكاتب) ، التي قد تحرق مجالات العمل إن لم يُحسن التعامل مع لهيبها… وربما كانت في الوقت نفسه العبارة المنقذة!
‎في خضم ذلك، وُجّه إليّ سؤال في إطار مساءلة إدارية عن سبب الخلاف مع المسؤول المذكور رحمه الله. كنت أتوقع عقوبة إدارية لا تستحقها الواقعة، لكنني وجدت نفسي أستحضر فكرة (سياسة المكاتب) وما يحيط بها من مظاهر الظلم والطغيان الاداري
‎كنت على يقين أن المؤسسة التي عملت فيها آنذاك لم تكن تعرف هذا الاصطلاح أو تدرك معناه في ظل صعوبة الوصول إلى مصادره الأجنبية.
فشرحت لهم في ورقة المسائلة ، ان السياسة داخل المؤسسات (Office Politics) حقيقة موجودة في معظم أماكن العمل، لكن إدارتها بحكمة هي التي تحدد قوة المؤسسة أو ضعفها.
‎ومن خلال البحث، وجدت أن جذور الفكرة تعود إلى عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل كروزيه Michel Crozier في كتابه الشهير:
The Bureaucratic Phenomenon (1964)
أو “الظاهرة البيروقراطية”.
‎وقد بيّن كروزيه أن البيروقراطية ليست مجرد تنظيم عقلاني كما تصورها ماكس فيبر، بل هي “دائرة مفرغة” تنشأ من محاولة السيطرة على عدم اليقين، فتنتج عنها قواعد وإجراءات متزايدة تقود في النهاية إلى روتين خانق.
‎ويرى كروزيه أن الهياكل البيروقراطية ليست عيباً تنظيمياً بحد ذاته، بل هي في جانب منها درع يحمي الأفراد من مخاطر العمل الجماعي والمسؤولية الشخصية. لكنها في الوقت نفسه تخلق صراعات دائمة حول ما سماه “مناطق عدم اليقين”، حيث يسعى الأفراد إلى استغلال القواعد لتعزيز سلطتهم الخاصة بدلاً من تحقيق أهداف المنظمة.
‎كما لاحظ كروزيه أن تضخم القواعد يولد ما سماه “الدائرة المفرغة”: ففشل التنظيم يؤدي إلى مزيد من القواعد، وهذه القواعد تزيد الروتين وتضعف الفاعلية. وقد ربط هذه الظاهرة أيضاً بسمات ثقافية في المجتمع الفرنسي، مثل الميل إلى المركزية الشديدة وعزل الطبقات الاجتماعية وتجنب المواجهة المباشرة.
‎بعد ذلك بسنوات، ومع بداية السبعينيات، بدأت دراسات الإدارة تتجه نحو استخدام مفهوم السياسة التنظيمية بشكل أوضح. وكان من أبرز من أسهم في تطويرها العالم Gerald R. Salancik، الذي تناول مع زميله Jeffrey Pfeffer فكرة أن المؤسسات ليست أنظمة عقلانية بالكامل، بل ساحات تتفاعل فيها القوة والتحالفات والصراع على الموارد.
‎وقد تجسدت هذه الرؤية في كتابهما المهم:
The External Control of Organizations: A Resource Dependence Perspective (1978)
‎حيث طرحا فيه فكرة أن المنظمات تعتمد على الموارد الخارجية، وأن هذا الاعتماد يخلق علاقات قوة وصراعات داخلية تجعل السياسة التنظيمية ظاهرة طبيعية في أي مؤسسة.
‎المفارقة هنا أنني كتبت هذه الأفكار على ورقة المساءلة الوظيفية نفسها، فتحول التحقيق من مساءلة إدارية إلى نقاش فكري حول مفهوم (سياسة المكاتب). وفي نهاية المطاف أُغلق الملف بكلمة واحدة في محضر اللجنة:
“اطّلعت”… وانطوت صفحة العقوبة.
‎ومنذ ذلك الوقت أدركت أن المنظمات ليست مجرد هياكل إدارية، بل أنظمة سياسية يسعى فيها الأفراد والجماعات إلى تحقيق مصالحهم الخاصة والتأثير في القرارات.
‎وبعد أكثر من أربعة وخمسين عاماً من الخبرة الوظيفية، تبيّن لي أن المشكلة في كثير من مؤسسات العالم الثالث ليست في وجود السياسة المكتبية بحد ذاتها، بل في تغولها في صورتها السلبية، حتى باتت أحياناً تتجاوز البيروقراطية التقليدية لتصبح صراعاً بين المؤسسة وموظفيها أنفسهم.
‎وفي سنوات لاحقة، وجدت أن لهذا العلم جانباً أكثر إشراقاً. فقد أوضح عالم الإدارة Jeffrey Pfeffer في كتابيه:
Managing with Power (1992)
و
Power: Why Some People Have It—and Others Don’t (2010)
‎أن السياسة التنظيمية ليست شراً مطلقاً، بل هي واقع طبيعي داخل المؤسسات، وأن القادة الناجحين هم من يفهمونها ويديرونها بذكاء بدلاً من تجاهلها.
‎كما قدم الباحث Johan P. Olsen مع James March في كتابهما:
Ambiguity and Choice in Organizations (1976)
‎ما يعرف بنموذج “سلة القمامة” (Garbage Can Model) في اتخاذ القرار، الذي يوضح أن القرارات داخل المؤسسات لا تكون عقلانية بالكامل، بل تتأثر بالصراعات والتحالفات والمصالح المتشابكة.
‎وهكذا اتضح لي مع مرور الزمن أن (سياسة المكاتب) ليست مجرد مرارة وظيفية عاشها جيل من الموظفين، بل هي موضوع علمي متكامل في علم الإدارة والسلوك التنظيمي. غير أن الخطر الحقيقي يكمن حين تتحول من أداة لإدارة التوازنات داخل المؤسسة إلى وسيلة لترسيخ الصراعات والمصالح الضيقة.
وهنا يكمن الفرق بين مؤسسة تدير السياسة المكتبية بوعي ، وأخرى محرومة الوعي تغرق فيها حتى أذنيها .



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات


المزيد.....




- أبعاد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران: هندسة جديدة للم ...
- تراجع حاد في صادرات النفط عبر كردستان: لا تتجاوز 50 ألف برمي ...
- مخزون إستراتيجي وإجراءات صارمة.. استقرار في الأسواق القطرية ...
- البنزين في أمريكا يتجاوز 3.50 دولارا للغالون مع استمرار حرب ...
- بغداد تطلب ضخ نفط كركوك عبر جيهان لتعويض خسائر الصادرات
- ماكرون: إغلاق مضيق هرمز لا يبرر رفع العقوبات عن روسيا
- عمومية تيكوم تقر توزيع 840 مليون درهم أرباحاً نقدية عن 2025 ...
- مجموعة السبع تدرس الإفراج عن الاحتياطيات النفطية
- الاقتصاد العالمي يترنح تحت وطأة حرب إيران
- هل يكفي ضخ 400 مليون برميل لترميم ثقة الأسواق المهزوزة؟


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن