أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة














المزيد.....

أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 00:09
المحور: سيرة ذاتية
    


مرت أربعون عامًا على ميلاد ولدي البكر، وما زلت أذكر ذلك اليوم كما لو كان الأمس. كان يومها ظهيرة شتوية قاسية في أونتاريو، حين هبطت درجات الحرارة حتى اكتست الأرض بطبقات كثيفة من الثلج الأبيض. تراكمت الرقائق فوق بعضها، فبدت تضاريسها في عينيّ القادم من الشرق أشبه بكثبان رملية في صحراء بعيدة.
هناك، في ذلك المشهد المتناقض، التقت ذرات الرمل الدافئة برقاقات الثلج الباردة، لتتشكل لوحة سيريالية من لوحات الطبيعة التي لا يجيد رسمها إلا الخالق.

وقفت أتأمل نجلي اليوم، وقد شاب رأسه قليلًا، وهو يحمل طفله ذو الأشهر القليلة بين ذراعيه. كان الصغير يرسل ابتسامات وديعة، وشعره الأشقر يلمع تحت ضوء الشتاء الخافت.
في تلك اللحظة اختلطت الصور في ذاكرتي ، فلم أعد أميز بين الابن الذي حملته يومًا، والحفيد الذي يحمله اليوم.
وعادت بي الذاكرة إلى ذلك الشتاء البعيد، يوم جاء نجلي إلى الدنيا في أرض الثلج.

كنت يومها طالبًا في الجامعة، وفي صباح اليوم التالي لولادته ذهبت إلى الحرم الجامعي، وما إن وصلت حتى انهالت عليّ التهاني من زملائي. بين هؤلاء كان شاب عربي من بلادنا الجميلة، يدرس لنيل الدكتوراه في علم الرياضيات. جلس إلى جانبي وأخذ يحدثني بحماسة عن تقاليد استقبال المولود في بلادنا، وعن أهمية العقيقة التي يُنذر بها المولود الجديد شكرًا لله على نعمته. شرح لي بعقل رياضي منظم أن من تقاليدنا أن تُذبح الأضحية قبل أن ينقضي اليوم السابع من ميلاد الطفل.

كنت أستمع إليه وأفكاري تسافر بعيدًا إلى بلادي حيث كان أداء هذه التقاليد أمرًا يسيرًا وبسيطًا. تذكرت العم غفوري، قصاب مدينتنا الطيب، الذي كان يحضر الذبائح من سوق الماشية ويهيئها للنذور والأضاحي. ثم عدت بنظري إلى زميلي وأنا أتساءل في سري: كيف يمكن أن تُقام هذه العادة الشرقية في مجتمع تحكمه ضوابط مؤسساتية دقيقة وأطر قانونية صارمة؟

ابتسم الرجل ابتسامة واسعة وقال:

ما عليك إلا أن تحضر معك بضعة دولارات، ونذهب غدًا إلى ريف أونتاريو لنعد عقيقة ولدك البكر.
أليس جديرًا بولي العهد أن نتمم تقاليدنا المباركة بقدومه؟

في اليوم التالي انطلقت بنا حافلة صغيرة تشق طريقها بين كثبان الثلج نحو إحدى المزارع الكبيرة في ريف هاملتون. وما إن اقتربنا من المزرعة حتى استقبلتنا نباحات الكلاب ، الحارس الأمين لتلك الحقول العامرة بالثروة الحيوانية.

خرج إلينا صاحب المزرعة، رجل ممشوق القامة يرتدي قبعة رعاة البقر ، كان على اطلاع لا بأس به بعاداتنا. بادرني بالسؤال عن المولود وعن صحة أمه، فأجبته بأنهما بخير. ابتسم وقال بلطف:

يمكنكما اختيار الشاة التي ترغبان فيها.

أشرنا إلى واحدة من القطيع، فهز رأسه موافقًا وقال:

انتظرا لحظات ريثما نستكمل عقيقة ابنكما أيها القادمون من شرق المتوسط.

بدافع الفضول سألته عن أصله، فأجاب مبتسمًا:

إن أجدادي قدموا من أرياف اسكتلندا.

اقتاد الرجل الشاة جانبًا، ثم اقتطع منها قطعة معدنية صغيرة معلقة في جسمها تحمل رقمًا متسلسلًا ورمزًا خاصًا، وسجل الرقم بعناية في سجل أنيق. أثار ذلك دهشتي، إذ تذكرت كيف كانت تباع الماشية في بلادي ببساطة لا تعرف هذه الإجراءات.
سألته عن سبب هذا التسجيل، فأجابني فورًا:

أنا مسؤول أمام الجهاز المركزي الكندي للإحصاء، ويجب أن أسجل أن هذه الشاة خرجت من أصول الثروة الحيوانية وذهبت إلى الاستهلاك.

هنا شد انتباهي أن هذه القطعة المعدنية كانت بمثابة بطاقة هوية للشاة، تحكي تاريخها وتثبت أصالتها. فهي ليست مجرد كائن في حضيرة الماشية، بل وثيقة رسمية تربطها بالسجل الوطني للمواشي. ومن خلالها، يلتقي النظام بدقة الريف الكندي مع تقاليدنا الشرقية، لتصبح العقيقة أكثر من طقس، بل احتفالًا بهوية الشاة وحقها في أن تُعرف قبل أن تُهديَّ للحياة الجديدة للطفل.

شد انتباهي أيضًا وجود غرفة خشبية مهيأة خصيصًا لذبح الشاة، مجهزة بوسائل حديثة ونظافة لافتة. تولى صديقي، الذي يجيد أداء الذبح وفق الطريقة الشرعية، إتمام العقيقة. دفعنا يومها خمسة وسبعين دولارًا ثمن الشاة، وعدنا نحمل معنا لحمها.

أهديت نصف اللحم لعائلة زميلي، أما النصف الآخر فقد حيرني أمر توزيعه في بلد لم أكن أعرف فيه الكثير من الناس.

مضت الأعوام…

و قبل أيام قليلة ذهبت لأشتري شاة من سلالة العواسي العراقية، التي ترعى أعشاب وادي الرافدين وتشتهر بلحمها الزكي الذي لا ينافسه طعم في رأيي. لكن ما لفت نظري في سوق الماشية لوحة تسعير تشير إلى أنواع مختلفة من الأغنام المستوردة، أرخص وأقل مذاقًا.
سألت صاحب الماشية عن الفرق، فأجابني بأن الشِيَاه القادمة من أرض الرافدين تبقى الأعلى سعرًا ، ثم تساءلت:

هل تقتضي الأضحية اليوم أن تكون الشاة من سلالات بلادنا حصراً؟

ابتسم الرجل وقال:
اليوم السعر هو الذي يحكم. فالشاة المحلية الغالية يشتريها من يستطيع، أما المستوردة فهي خيار الطبقات المتوسطة.

عندها قلت في نفسي:
إن الأضحية في أصلها نصيب للفقراء والجيران والأهل. فمن حالفه الحظ قد تصلهم هدية من لحم الرافدين الزكي الغالي، ومن كان حظه أقل ربما يصلهم نصيب من شاة مستوردة… وربما، كما حدث يومًا، من شاة جاءت من ريف أونتاريو البعيد.

وفي صمت الثلج الذي يغطي أونتاريو، وبين دفء الذكريات، أدركت أن الأضحية ليست مجرد لحم يُذبح، بل نبض قلوب، وغناء أجيال، وجسر يربط الأمس بالحاضر، والحاضر بالمستقبل. هي فرح متوارث، وشكر لا يذوي، ودفء يبقى حيًّا في أعماقنا مهما طال الزمن، تذكير بأن كل مولود جديد وعد بالحياة، وكل تقليد حي نور يستمر في عروقنا.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق


المزيد.....




- -أغرب شيء رأيته-.. دبلوماسيون أمريكيون وأوروبيون ينتقدون طري ...
- ترامب يتوعد بـ-الاستيلاء- على كوبا الغارقة في الظلام تحت الح ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن شن هجمات واسعة على طهران وبيروت في آن ...
- من السياسة إلى الميدان.. ما حدود الدعم الروسي الصيني لإيران؟ ...
- العراق.. الدفاع الجوي يتصدى لمقذوف مما يتسبب في انفجار قرب ا ...
- الخسائر البشرية المعلنة لواشنطن وتل أبيب مع دخول الحرب أسبوع ...
- -القيادة الوسطى- تنفي تدمير إيران لأي مقاتلة أميركية
- ترامب: إسرائيل لن تستخدم أبدا سلاحا نوويا ضد إيران
- الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح هرمز
- ترامب يندد بـ-قلة الحماس- لدى بعض الدول لمساعدته في إعادة فت ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة