أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - مظهر محمد صالح - زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط














المزيد.....

زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 16:50
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


تُعدّ قضايا الحرب والسلام من أبرز الإشكاليات التي شغلت الفكر الإنساني المعاصر، ولا سيما في مناطق النزاع المستمر مثل الشرق الأوسط، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتنتج أنماطًا معقدة من عدم الاستقرار. ويقتضي تحليل هذه الظاهرة تبني مقاربات متعددة التخصصات تأخذ بعين الاعتبار البعد البنيوي للعنف، بدل الاقتصار على التفسيرات الحدثية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الاستفادة من الرؤى الفكرية والأدبية التي تناولت إشكالية الحرب والإنسان، ومن بينها تجربة الروائية البريطانية الراحلة فرجينيا وولف، التي قدّمت عبر أعمالها تصورًا نقديًا للعلاقة بين الفرد والبنى الاجتماعية المنتجة للعنف. وعليه، تسعى هذه التأملات إلى توظيف منظور وولف في تحليل واقع الحرب في الشرق الأوسط، من خلال ربط البنية الاجتماعية بإنتاج العنف، وبيان دور الأدب كأداة معرفية ونقدية تسهم في إعادة تشكيل الوعي الإنساني.
اذ يمكن قراءة ظاهرة الحرب في الشرق الأوسط بوصفها نتاجًا لتراكمات تاريخية وبنيوية معقدة، تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية مع الهشاشة المؤسسية، فضلًا عن التنافس على الموارد الاستراتيجية. ويُظهر هذا الواقع أن العنف لا ينشأ بمعزل عن السياقات الاجتماعية، بل يتغذى على اختلالات في منظومات الحكم والتوزيع الاقتصادي. وفي هذا السياق، يمكن الاستئناس بالتحليل النقدي الذي قدمته وولف، والذي ينظر إلى الحرب باعتبارها امتدادًا لبنية اجتماعية وثقافية تُعيد إنتاج نفسها عبر مؤسسات التعليم والسياسة والعسكرة، ما يجعل من العنف نتيجةً بنيوية أكثر منه طارئًا عابرًا.
ادهشتني تلك النصوص التي كتبتها الأديبة العراقية المغتربة منى الظاهر، والتي جاءت تحت عنوان: “الرَّاسِبة في نَهْر زَمَنِها بِمعطفٍ حَجَريٍّ”، يتبدّى تأمل عميق في معنى الإنسان حين يُلقى في دوامة الحرب، وفي هشاشته أمام صراعات لا تبدو لها نهاية واضحة. ولاسيما عندما اتامل بنفسي دواليب الحرب التي تسحق الإنسان في الشرق الأوسط، وهي تدور رحاها على ممرات المياه وبراميل النفط وفي البحث عن مجهول لا يُدرك معناه، حيث تتجلى صورة عالمٍ فقد كثيرًا من معاييره الأخلاقية، و تتوالى الحروب وتتداخل المصالح دون أفقٍ حقيقي للسلام.
تبرز رواية ثلاث جنيهات (Three Guineas) لفرجينيا وولف بوصفها نموذجًا تحليليًا مهمًا لفهم العلاقة بين السلطة والمعرفة وإنتاج العنف.
اذ تدور الرواية حول رسالة من رجل يطلب من الكاتبة الروالتبرع لصندوق لدعم التعليم والتوظيف للنساء. ترد الكاتبة بثلاث جنيهات، كل منها مخصصة لقضية مختلفة: التعليم، والتوظيف، ومكافحة الحرب.
إذ يعكس هذا العمل نقدًا منهجيًا للبنية الأبوية للمجتمع، ويُظهر كيف تتكامل المؤسسات الاجتماعية في ترسيخ أنماط من الهيمنة وإقصاء الآخر. فقد تناولت وولف قضايا التعليم والعمل والحرب باعتبارها مجالات مترابطة تسهم في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية ذاتها، مؤكدة أن مواجهة العنف تتطلب إعادة النظر في هذه البنى من جذورها. ومن هذا المنظور، يندرج طرحها ضمن إطار النقد النسوي الذي يربط بين السلطة والمعرفة، ويعتبر أن تفكيك علاقات الهيمنة يشكّل شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة الاجتماعية.

وعلى مستوى آخر، يعكس تصور وولف للزمن إدراكًا فلسفيًا لهشاشة الوجود الإنساني في مواجهة العنف. فالزمن في أعمالها لا يُقدَّم كإطار محايد، بل كعنصر ديناميكي يتأثر بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية، ويُعاد تشكيله في ظل الأزمات. ويُسهم هذا التصور في إبراز أثر الحرب على التجربة الإنسانية، حيث لا يقتصر تأثيرها على البعد المادي، بل يمتد إلى البنية النفسية والوعي الذاتي للفرد، ما يجعل من الكتابة وسيلة لإعادة تنظيم التجربة الإنسانية وفهمها ضمن سياقها المتشظي.

وقد تأثرت وولف بشكل مباشر بالحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث انعكست آثارهما في رؤيتها النقدية للحضارة الغربية، التي واصلت مسارها رغم الخسائر البشرية الهائلة. كما تأثرت بالحرب الأهلية الإسبانية، التي عمّقت من قناعاتها الرافضة للعنف، وأسهمت في ترسيخ موقفها الفكري تجاه قضايا الحرب والسلام. ومع تصاعد القلق خلال الحرب العالمية الثانية، وما رافقه من تهديدات وجودية، ازدادت حالتها النفسية اضطرابًا، ما انعكس في كتاباتها الأخيرة وفي رؤيتها للعالم.

وفي 28 آذار 1941، أنهت فرجينيا وولف حياتها بإلقاء نفسها في نهر أوز في إنجلترا، بعد أن ملأت جيوب معطفها بالحجارة، تاركة رسالة شخصية عبّرت فيها عن شعورها بالعجز أمام حالتها النفسية المتدهورة. وقد جاءت وفاتها نتيجة تداخل عوامل نفسية مزمنة، يُعتقد ارتباطها باضطراب ثنائي القطب، مع ضغوط الحرب والظروف الاجتماعية المحيطة. وتمثل هذه النهاية تعبيرًا مأساويًا عن التفاعل المعقد بين الفرد والبنية الاجتماعية في سياق الأزمات.

ختامًا، يمكن القول إن تجربة فرجينيا وولف تقدم إطارًا تحليليًا مهمًا لفهم العلاقة بين الحرب والبنية الاجتماعية، حيث تكشف أن العنف ليس مجرد ظاهرة عسكرية، بل نتاج منظومة متكاملة من العلاقات المؤسسية والثقافية. كما تؤكد أن الأدب يمكن أن يؤدي دورًا معرفيًا ونقديًا يتجاوز البعد الجمالي، ليصبح وسيلة لإعادة التفكير في أسس التنظيم الاجتماعي، وتعزيز قيم السلام والعدالة. وفي ظل استمرار الأزمات في الشرق الأوسط، تبرز أهمية تبني مقاربات فكرية متعددة الأبعاد تسهم في تفكيك جذور العنف، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه محور أي مشروع حضاري يسعى إلى الاستقرار والتنمية.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - مظهر محمد صالح - زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط