أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - مظهر محمد صالح - نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية














المزيد.....

نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 02:49
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


قبل عقدين من الزمن، انتهى ذلك الاجتماع الرسمي في مصرف لبنان المركزي، وكنتُ ضمن وفدٍ من الصيرفة المركزية قادمٍ من أرضٍ لا يعرفها اللبنانيون إلا بشيئين: نخيلٌ يلامس السماء، ونفطٌ كان يعبر البحر المتوسط مثل شريانٍ من الضوء، يصل بين بلدين صهرتهما الجاذبية الاقتصادية في تاريخٍ واحد.

كان إلى جواري رجلٌ مصرفي شديد الرقي، تستقر على شفتيه ابتسامةٌ خافتة، كأنها بقايا زمنٍ مضى عليه أكثر من نصف قرن. أخذ يحدثني عن لون نفط الرافدين المتدفق يومًا عبر ميناء طرابلس، قائلاً:

“إنه ليس نفطًا فحسب، بل زمنٌ سائل… يحمل ذاكرة حضارة عمرها سبعة آلاف عام.”

ثم أضاف، وعيناه معلقتان في مكانٍ بعيد:

“لقد بلغ تدفق النفط العراقي عبر طرابلس حينها نحو مليون برميل يوميًا، قبل أن تطفئه صراعات الجغرافيا السياسية، وتُبعد لبنان عن أرض الرافدين ، تلك الأرض التي كانت أنابيب النفط تجمعها ببحر المتوسط، لتمدّ عالم الشمال الصناعي بالحياة. فما كانت دواليب الصناعة الحديثة لتصحو كل صباح، لولا نفط بلادكم.”

وتذكرتُ حينها مقولة الفيلسوف مارتن هايدغر:
“الإنسان لا يسكن الأرض فحسب، بل يسكن ذاكرته أيضًا.”
وأدركتُ أن الأوطان لا تعيش بما تملكه من ثروات فقط، بل بما تختزنه من معانٍ وذكريات وروابط خفية تقاوم النسيان.

تنهد الرجل بأسى، فيما كانت الساعة الذهبية في معصمه تواصل بثّ دقاتها الحية، كأن الزمن وحده رفض أن يتوقف.

قال لي بصوتٍ خفيض:
“أتدري؟ إن هذه الساعة تريد أن تحدثك، أيها القادم من بغداد… من جوهرة الشرق ورمح الله في الأرض.”

ابتسمت متسائلًا:
“وماذا تقول لك الساعة؟”

أجاب:
“كان والدي تكنوقراطًا يعمل في ميناء طرابلس، يسهر الليالي لتأمين صادرات نفط بلادكم . وقد حظي بتقديرٍ استثنائي من شركة نفط العراق، التي أهدته هذه الساعة الذهبية المنقوشة بخارطة بلاد الرافدين .”

ثم سكت قليلًا، وأكمل:
“رحل والدي… وتوقف خط النفط العراقي إلى طرابلس منذ مطلع الثمانينيات. مات النفط في الأنابيب، وخمدت الحركة في الميناء، ولم يبقَ من ذلك الزمن سوى هذه الساعة… لكنها، وحدها، ما تزال تنبض بالدقات، كأنها ترفض الاعتراف بانقطاع الصلة بين لبنان والعراق.”

عندها اغرورقت عيناي بالدموع، وقلت له:

“إن دقات هذه الساعة ليست مجرد حركة عقارب، بل هي نبض الذاكرة المشتركة بين بلدينا. وما دامت الساعة الذهبية لم تتوقف، فإن نفط العراق سيجد يومًا طريقه مجددًا إلى البحر المتوسط، وستعود الروابط التي صنعتها الجغرافيا والتاريخ أقوى من كل الانقطاعات.”

فبعض الأشياء لا تموت بانطفاء الأنابيب، لأن ما يجمع الأوطان أعمق من النفط، وأبقى من السياسة… إنه ذلك المعنى الخفي الذي يجعل الذاكرة حيّة، حتى حين يظن العالم أن الزمن قد انتهى.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة


المزيد.....




- ائتلاف نتانياهو يبادر بمقترح لحل الكنيست ويدفع إسرائيل نحو ا ...
- -فيرون- لديه الإجابة عن سبب فشل المفاوضات بين أمريكا وإيران ...
- بعد فقدان أميركيين.. المغرب يعلن العثور على -الجثة الثانية- ...
- روبيو يكشف أهداف ترامب من رحلة بكين.. وإيران في صدارتها
- -نحتفظ بحق الرد-.. طهران تطالب الكويت بالإفراج عن 4 إيرانيين ...
- إيران: الحصار يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطنين
- غيرت موقفها للمرة الأولى.. موركوفسكي تقود منعطفا جمهوريا بال ...
- فانس: أمريكا تحرز تقدما في المحادثات مع إيران
- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن زيارة رئيس وزراء إسرائيل
- بعد -صواريخ الكتف-.. خطط صينية لإرسال أسلحة أخرى إلى إيران


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - مظهر محمد صالح - نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية