أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - حين يشتعل الثلج على خط الاستواء














المزيد.....

حين يشتعل الثلج على خط الاستواء


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 02:52
المحور: قضايا ثقافية
    


كان الوقت ظهراً، والطائرة تلامس تحت جناحيها ركاماً من قممٍ ثلجيةٍ مبهرة. فجأة، صرخ قبطان الطائرة قائلاً: «لقد عبرنا، أيها الذوات، خط الاستواء، وانتقلنا إلى النصف الآخر من الكرة الأرضية. هذه جبال كليمنجارو، أعلى قمم القارة الأفريقية، التي تتوسط ذلك الخط الفاصل بين شمال العالم وجنوبه».

دهشتُ وأنا أسمعه يشرح أن ارتفاع قمة أحد الجبال الثلاثة المكوِّنة لكليمنجارو يبلغ نحو ستة آلاف متر، وأن هناك عالماً من الأنهار والغابات والتنوع البيولوجي يصعب وصفه. قلت في سري: هذه هي المغامرة الأولى في ريعان الشباب، أن أقطع خط الطول فوق أعلى ثلاث جبال بركانية ثلجية بيضاء ترقد على خط الاستواء في القارة السمراء؛ ليتشكل عالم غريب يمزج بين البشرة السوداء والقمم البيضاء، في انسجام لا يمكن تفسيره للألوان التي تعلو غابات أفريقيا الاستوائية الكثيفة في تلك المرتفعات الساحرة.

دخلنا سماء الجنوب الأفريقي الصافية الزرقاء بعد الظهيرة، وغادرنا تلك الارتفاعات الشاهقة، لكن رواية الكاتب الأمريكي اليساري إرنست ارنست همنغواي “ثلوج كليمنجارو “ لم تفارق خاطري .رواية كُتبت في العام 1936، ثم تحولت إلى فيلم درامي في هوليوود في العام 1952. وتذكرت الأيام التي عجّت فيها دور السينما في بغداد بتلك القصة القصيرة الشهيرة، التي تدور حول الندم والموت ومعنى الحياة، وتُلخص تجربة إنسانية في جبال كليمنجارو بوصفها رمزاً للقوة.

كانت الأحداث تدور حول كاتب أمريكي يُدعى هاري يسافر إلى أفريقيا مع زوجته، لكنه يُصاب خلال رحلة صيد في سفوح الجبل بجرح خطير في ساقه بسبب الغرغرينا، ويبدأ جسده بالضعف تدريجياً. وهو يرقد في المخيم منتظراً الموت، يُراجع حياته ويتذكر أنه كان كاتباً موهوباً، لكنه بدد موهبته بين الطمع في المال وحب الحياة المترفة، فاستولى عليه الإهمال والتوقف عن الكتابة. وفي الأثناء، ترعاه زوجته رغم التوتر بينهما، وتحاول مساعدته بقدر ما تستطيع.
ولكن ظلت الفكرة الأساسية للقصة ليست عن الجبل نفسه، بل عن الندم على إهدار الفرص، وضياع الموهبة، ومواجهة الإنسان لحقيقة الموت، والبحث عن معنى للحياة في لحظاته الأخيرة. فجبل كليمنجارو يرمز إلى النقاء والطموح والخلود، بينما يرمز مرض البطل إلى الفشل والضياع والانحدار. وأن أكبر خسارة هي ليست الموت، بل عدم تحقيق الذات.
فبين هذا وذاك، وبعد أن غادرنا مرتفعات كليمنجارو في السماء، حلّ صفاء الذهن عند ساحل المحيط الهندي في العاصمة التنزانية دار السلام. وهناك اختلطت الغيوم البيضاء بزرقة السماء وهدوء المياه الصافية الساكنة، حيث تعُشق الحياة. ولم يكن أمام العين سوى نسق من المنحوتات السوداء المتشابكة، المصنوعة من خشب الماهوجني والأبنوس، بأشكالٍ تتشابك فيها الأيدي كأنها محاولة دائمة للإمساك بالمعنى قبل أن يفلت.
مرت سنوات، واستقرت واحدة من تلك التماثيل المتشابكة من خشب الأبنوس في غرفة الاستقبال في منزلي المتواضع. وكنت أشرح لضيوفي أن بين قمة كليمنجارو البيضاء القوية وزرقة مياه المحيط الهندي على السواحل الشرقية لأفريقيا تُنحت تماثيلٌ لرمزيات مختلفة من الطبيعة والجمال والقوة. لكن صديقاً عزيزاً فاجأني بتعليقٍ قاسٍ أسدل الستار وأفسد فرحتي، فصرت أنا وهاري الجريح في قصة كليمنجارو في مرمى واحد. نصحني برمي تلك المنحوتة الرائعة المتشابكة في قمامة الأزمنة بحجة أنها «صنم». فألغى في نفسي فرحة المغامرة التي بدأت من قمة كليمنجارو، وصولاً إلى محاكاة الحرية والسلام على ضفاف المحيط الهندي الزرقاء.
انقلبت فجأةً الطبيعة في داخلي، وانقلبت قصة همنغواي، لتنتقل في تعثراتها من رمزٍ للطموح والنقاء إلى قلقٍ خافتٍ يذوب بين الجبل والبحر، في سؤالٍ مفتوح عن معنى الذات على خط الاستواء… واستحالت تلك الثلوج البيضاء في الذاكرة إلى لهبٍ لا يبرد، يشتعل في مسافةٍ بين الإدراك والخذلان.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان


المزيد.....




- تصعيد ضد بن غفير.. المحكمة الإسرائيلية تنظر اليوم في مطالب ب ...
- تفاصيل -حصار هرمز-.. هكذا تتمركز القوات الأميركية في المنطقة ...
- فانس: نتفاوض مع إيران.. وترامب يريد اتفاقا شاملا
- فانس وويتكوف وكوشنر.. تفاصيل عن -جولة ثانية محتملة- مع إيران ...
- المفاوضات مع إسرائيل.. كيف يقرأها الداخل اللبناني؟
- مباشر: إسرائيل لا تريد فرنسا في المفاوضات مع لبنان
- ذكرى -بيت العنكبوت-.. لماذا تطارد بنت جبيل جيش الاحتلال من ج ...
- فرنسية تتوجه إلى أمريكا لتتزوج حبيبها بعد 70 عاماً.. فانتهى ...
- إسبانيا توافق على خطة لمنح نحو نصف مليون مهاجر غير موثق وضعا ...
- لقاء واشنطن بين لبنان وإسرائيل.. تأكيد أمريكي على حق تل أبيب ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - حين يشتعل الثلج على خط الاستواء